بقلم / د. عبدالعزيز المقالح
هذه إشارات عابرة وسريعة عن أسوأ الهجرات العربية التي شهدتها بعض الأقطار العربية.

وكانت البداية الأسوأ، والأبشع هي تلك التي رافقت أحداث نكبة 1948م، بعد استيلاء الاحتلال «الإسرائيلي» بدعم شامل من القوى الكبرى، على الجزء الأكبر من فلسطين، وتشريد أبنائها من مدنهم وقراهم تحت التهديد، والقتل، وإحراق البيوت، وربما يكون الشعر قد نجح في توثيق ملامح من تلك التراجيديا المرعبة، في حين لم تتمكن السينما، بإمكاناتها الهائلة، من التقاط ملمح واحد من تلك الملامح الدامية والمستفزةّ لمشاعر الإنسانية، بل ولأكثر البشر تحجراً وانغلاقاً.

كانت مواكب المشردين التائهة لا تدري إلى أين تمضي، بعضها اتجه صوب لبنان، وبعضها الآخر صوب سوريا، وآخرون حملتهم أقدامهم نحو الأردن. ومن يومئذ تكونت الملاجئ، أو بالأصح السجون، ولا تزال إلى الآن.

ولا أظن انه قد خطر على بال عربي، أياً كانت ثقافته، أو مستوى وعيه بأي هجرات قسرية لاحقة سوف تحدث ومن أكثر من قطر عربي نتيجة السياسة العشوائية في إدارة الأنظمة وما خلقته من احتقانات غاضبة أدت إلى تفجير الأوضاع وإلى التدخلات الأجنبية تحت مسميات عدة.

وكان من آثارها أن زادت الطين بلة، وضاعفت من حدة الخلافات وأدت إلى هجرة المواطنين الهاربين من مصير دموي إلى مصير مجهول لا يخلو من أخطر الاحتمالات، سواء كان الهروب إلى بعض الأقطار العربية، أو إلى الأقطار المجاورة، أو البعيدة في رحلات على الأقدام لا تقل تراجيدية عن تلك التي عرفها أشقاؤهم الفلسطينيون في نكبة 1948 ولم يتوقف الشعر ليسجل بالكلمة مشاهد هذه المأساة الجديدة وفصولها التي بدأت ولا يدري أحد متى ستكتمل وتنتهى معاناة من سيبقى حياً في الملاجئ القريبة أو البعيدة.

واللافت هنا أن الإعلام الدولي، والغربي منه خاصة مكتوباً ومرئياً، لم يتردد في استغلال الفرصة السانحة للتشفي بالعرب، وبما يصنعونه بأنفسهم في حق بعضهم بعضاً.

أما الإعلام العربي فقد اختارت الأغلبية من وسائله الصمت عن الموضوع، كأن تلك الهجرات المريرة تحدث في بلاد «الأسكيمو» ولا تخصنا من قريب أو بعيد، والأقلية التي اختارت متابعة المحنة بقدر من الحياة.

ويقتصر دورها على نقل أخبار المهاجرين عن أرضهم، وما يتعرض له بعضهم من جراء رفض بعض الدول الأوروبية من رفض قبولهم في أرضها وإعادتهم إلى البلدان التي وصلوا عن طريقها.

قناة عربية واحدة خرجت عن الموقف وبدأت تعرض على شاشتها الصغيرة حكاية عدد من المهاجرين قسراً وخوفاً، وكيف أنهم كانوا يعملون في بلادهم في مؤسسات حكومية أو خارج تلك المؤسسات، وكانت لهم حياتهم المستقرة الآمنة، يذهب أبناؤهم إلى المدارس القريبة وجاءت الخلافات ثم نالتهم الحرب لتلقيهم في الهاوية.

إن ما يحزنني كإنسان، ومواطن عربي، هو منظر الأطفال ومنهم رضّع، ومن يحاولون المشي على أقدامهم الصغيرة، وصبيان في السابعة أو الثامنة يتلفتون إلى الخلف كلما قطعوا أمتاراً في طريق المتاهة، كأنهم يودعون بيوتهم وألعابهم وزملاءهم، ولا قدرة للكلام في مثل هذه الحالة على تصور ما يجول ويمور في صدور الأمهات من أحزان ومخاوف على فلذات أكبادهن، وما ينتظرهم جميعاً من مصير مجهول، بعد أن ألقت بهم رماح الحروب إلى الفيافي العارية وسفوح الجبال وشواطئ البحار.

ومرة أخرى، وأخيرة، أكرر القول إنه لا أحد في العالم ولا في الوطن العربي يعطي هذه المأساة ما تستحقه من تأمل ومسارعة إلى الإنقاذ.

حول الموقع

سام برس