الثلاثاء, 23-أكتوبر-2018
واجب على من عشق يطحن!!
بقلم / احمد الشاوش

ماذا وراء التغيير التدريجي في موقف ترامب من قتل جمال خاشقجي؟
بقلم/ بسام ابو شريف

هل تنجو الاسرة السعودية الحاكمة من "ازمة خاشقجي" مثلما نجت من ازمة هجمات سبتمبر؟..
بقلم/ عبدالباري عطوان

الجيوش الافريقية في العهدة الإسرائيلية
بقلم/ حسن العاصي

غزةُ لا تريدُ الحربَ والفلسطينيون لا يتمنونها
بقلم / د. مصطفى يوسف اللداوي

المعارك الصغيرة تلتهم المعارك الكبرى
بقلم/ د. ياسين سعيد نعمان

الليل ثالثي
بقلم/ جميل مفرح

براءة اختراع .. مزارع لانتاج الكلاب في أمانة العاصمة
بقلم/ حسن الوريث

ألبوم “حوا” جديد الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي
سام برس
الاقتصاد الصيني يحتل المركز الأول عالميا رغم إجراءات أمريكا
سام برس
واشنطن تهدد بفرض عقوبات ضد الدول المتعاونة مع إيران
سام برس
5 حيل لاستخدام واتسآب عبر جهاز الكمبيوتر
سام برس
"أبل" تطرح أشهر واحدث كمبيوتر محمول أقوى بـ 70 مرة من الاصدارات السابقة
سام برس
الفنان الفلسطيني هشام عوكل : يستعد لإطلاق فيلمه “الفك المفتوح”
سام برس
قلعة بودروم التركية أغنى المتاحف الأثرية المغمورة بالمياه في العالم
سام برس
اغرب عملية بيع ..نادي كرة قدم يبيع 18 لاعبا ليشتري 10 رؤوس ماعز
سام برس
غارة امريكية تستهدف صانع قنابل القاعدة في مأرب
سام برس
تقديس الجهل!!؟
بقلم / أحمد عبدالله الشاوش
العبادي يدعو البرلمان العراقي للانعقاد
سام برس
قائمة أفضل 9 حواسيب محمولة لعام 2018
سام برس
الهند... ثاني أكبر مستورد للنفط الإيراني يطلب كميات اضافية رغم العقوبات الامريكية
سام برس/ متابعات
نجوم يحتفلون على الطريقة الهندية
سام برس
محمود درويش" في الذكرى العاشرة لرحيله تراث حي وارث متجدد
سام برس

 - اصدر مركز الزيتونة  للدراسات والاستشارات بير- لبنان ، سلسلة مقالات علمية محكمة من ضمنها ، المقاومة الشعبية الفلسطينية خيار الواقع أم استراتيجية وطنية؟ مسيرات العودة الكبرى نموذجاً.

الجمعة, 21-سبتمبر-2018
اصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بير- لبنان ، سلسلة مقالات علمية محكمة من ضمنها ، المقاومة الشعبية الفلسطينية خيار الواقع أم استراتيجية وطنية؟ مسيرات العودة الكبرى نموذجاً.

وأكد المركز على ان تلك الدراسات تهتم بالشأن الفلسطيني وبكل ما يتعلق به إسرائيلياً وعربياً وإسلامياً ودولياً.

ويمكن للباحثين والمختصين نشر مقالاتهم عبر هذه السلسلة، مع ضرورة مراعاة أن تتسم مقالاتهم بالمواصفات العلمية للأبحاث، ولم يسبق نشرها، وأن تناقش القضايا المتعلقة باهتمامات المركز وخصوصاً في الجوانب السياسية والاستراتيجية المتعلقة بقضية فلسطين.

ونظراً لاهمية تلك الدراسات العلمية الفلسطينية نتشر في صحيفة " سام برس" بنشرها لرفد القارئ الفلسطيني والعربي والمتخصص ومراكز الابحاث للفائدة العامة.

/ وائل عبد الحميد المبحوح


المقاومة الشعبية الفلسطينية: خيار الواقع أم استراتيجية وطنية؟
مسيرات العودة الكبرى نموذجاً
وائل عبد الحميد المبحوح

المقدمة:

شكّلت المقاومة الشعبية تاريخياً مقدمة موضوعية لنشأة حالات مسلحة من أشكال المواجهة مع الاحتلال، وكانت الأداة الأكثر تكراراً على أرض فلسطين في وجه الاحتلال المباشر. فمنذ مئة عام تقريباً مارس الشعب الفلسطيني، وفي اتجاهات مختلفة، ومسارات متعددة، أشكالاً متنوعة من النضال، ضدّ الاستعمار البريطاني تارة، وضدّ الاحتلال الصهيوني تارة أخرى، وما يزال يضرب على هذا المنوال منذ أكثر من سبعين عاماً، عقب احتلال الصهاينة فلسطين سنة 1947. منذ سنة 1917 وحتى إضراب سنة 1936، كانت المقاومة الشعبية هي السلاح الأبرز في مواجهة الاستعمار البريطاني وممارساته تجاه الفلسطينيين، وخلال الفترة 1937-1939، كانت الثورة الشعبية المسلحة هي الشكل السائد، وحتى ما بعد إعلان قيام "إسرائيل"، كانت الحرب النظامية مع بعض العمل الفدائي المحدود هو ما ميّز تلك الفترة، ثم غلب حتى سنة 1968 التوجه للأمم المتحدة والمطالبة بتطبيق قراراتها، كما شهدت أنماطاً للمقاومة المدنية؛ مسيرات، ومؤتمرات، وإضرابات ضدّ الممارسات الاحتلالية .

منذ سنة 1968 وحتى اندلاع انتفاضة 1987، كان العمل الفدائي والكفاح المسلح، هما السمة الأبرز في أغلب محطات هذه الفترة، وخصوصاً في السبعينيات منها. ويرى عبد الرحمن التميمي أن:

الانتفاضة الأولى 1987 اتسمت بالمقاومة السلمية، وانتهت ببدء مفاوضات السلام التي تمخضت عن إنشاء السلطة الفلسطينية، التي تعتبر المنطقة الرمادية بين انتهاء الكفاح المسلح والعمل الشعبي السلمي، وفي انتفاضة الأقصى 2000، كان هناك عدم وضوح في اتباع نمط الانتفاضة الأولى أو المزج بين العمل المسلح والمقاومة السلمية، وهذا الأمر أدى إلى تخبط واضح في الرؤيا الفلسطينية، وبخاصة أن الانتفاضة الأولى وقيادتها لم تكن جزءاً من أي اتفاقيات ملزمة، وهو ليس الحال في الانتفاضة الثانية .

من جديد وتحديداً منذ سنة 2002، "أحداث بلعين وجدار الفصل العنصري"، مروراً بسنة 2011، "فعاليات العودة في آذار/ مارس"، وغيرها، عاد الحديث عن ضرورة المقاومة الشعبية السلمية، وهنا اختلف الفلسطينيون، فمنهم من يرى أنها يجب أن تكون الشكل الوحيد السائد، وهناك من يرى أنها لا تصلح في ظلّ احتلال عنصري إحلالي استيطاني، وأن التجربة الفلسطينية لا تشبه كلّ تلك التجارب التي جعلت من المقاومة الشعبية السلمية خياراً واحداً ووحيداً، وآخرون يؤكدون أن هذا الأسلوب يجب أن يكون ضمن استراتيجية وطنية موحدة لا تستثني أو تستبعد كافة الخيارات، بما فيها الخيار العسكري، بل إن هناك من الفلسطينيين من يرى أن هذا الشكل من الممارسة لا يُجدي نفعاً في حالة "إسرائيل"، بمعنى أن الجدل حول جدوى المقاومة الشعبية السلمية ومشروعيتها ما زال قائماً.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الرئيس الليبي السابق معمر القذافي دعا فلسطينيي الشتات إلى الاستفادة من الثورات الشعبية في منطقة الشرق الأوسط؛ بأن يحتشدوا على حدود وطنهم ليفرضوا على "إسرائيل" حقهم في العودة قائلاً: "إن أساطيل من القوارب يمكن أن تأخذ اللاجئين الفلسطينيين لينتظروا على السواحل الفلسطينية حتى تحل المشكلة". إن هناك حاجة لإيجاد مشكلة للعالم، في إشارة إلى تجمع ملايين اللاجئين الفلسطينيين على حدود بلادهم، قائلًا إن دعوته هذه دعوة للسلام لا للحرب. وأضاف:

"يجب أن تبدأ قوافل وطوابير من السفن تحمل الشعب الفلسطيني المشرد باتجاه فلسطين، وليعسكر في البحر، وفي البر، وفي كل مكان، لكي يتحرك العالم لخلق أزمة له. دعوا السفن مشحونة بالأطفال والعائلات المشردة. دعوهم الإسرائيليين يضربونهم بالقنابل الذرية، ليكن ذلك كذلك". وعدّ الزعيم الليبي إقامة أي دولة عربية أو إسلامية علاقة مع "إسرائيل"، بينما الشعب الفلسطيني لم يعد إلى وطنه ويأخذ حقه، "جريمةً وكفراً" .

عقب تفجير حافلة صهيونية في 21/11/2012، قال قائد حماس آنذاك خالد مشعل: "نحن ندافع عن شعبنا ونقوم بالرَّد، وأنا قائد حماس أقول: إننا على استعداد لسلوك سبل سلمية دون سفك دماء أو استخدام أسلحة إذا حصلنا على مطالبنا الوطنية الفلسطينية المتمثلة بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة وتلبية سائر الأهداف الوطنية". وهو ما عُدَّ مفاجأة كبيرة آنذاك، ذلك أن حركة حماس لا تؤمن في صراعها مع الاحتلال سوى بالخيار المسلح .

يرى أحمد أبو ارتيمة، وهو أحد منظري مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة أنه:

لا تقوم فلسفة النضال السلمي على الإيذاء الجسدي للعدو، لكنها تركز على هدف أكثر أهميةً؛ وهو إفقاد هذا العدو إجماعه النفسي للاستمرار في المعركة، إن هذا الهدف لا يتحقق سريعاً، فالعدو سيستدعي من جعبته مزيداً من الحيل النفسية لتبرير مواصلة استهداف المحتجين، لكن إصرار هؤلاء المحتجين على أسلوب النضال السلمي سيعري تلك التبريرات، وسيجعل المواجهة أكثر وضوحاً بين مؤمن مجرد الإيمان، سلاحه الكلمة والموقف، وبين قوة معتدية تواجه الكلمة بالقتل. وفي ضوء وضوح المشهد، لا تظل المعركة بين قوميتين متنازعتين، بل بين الكلمة والقوة، فيصبح أصحاب الكلمة مصدر إلهام روحي، ينحاز الناس إلى نصرتهم، وإحياء ذكراهم، ويصبح أصحاب القوة مذمومين، ملومين، يسيرون بين الناس ناكسي رؤوسهم: "ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً .

مشكلة الدراسة:

تميز السياق الفلسطيني بالديناميكية في إبداع أشكال المقاومة ضدّ الاحتلال، حيث مارس الكفاح المسلح، والإضرابات، والمقاومة غير العنفية، والمقاومة الشعبية، وتنوعت هذه الأشكال بسبب الظروف المحلية الفلسطينية أحياناً، وبسبب الظروف الإقليمية والدولية أحياناً أخرى. وفي ظلّ مجتمع فلسطيني يختزن ويستحضر التاريخ والتراث والدين والثقافة المجتمعية في عقله الباطن، فالنقاش حول آليات التعامل مع العدو لا ينقطع، خصوصاً فيما يتعلق بالمقاومة الشعبية السلمية اللا عنفية، من حيث جدواها وآلياتها، ووسائل تطويرها، وهل هي استمرار للنضال الوطني الفلسطيني، أم اجتهاد جديد؟

في كل الأحوال ومع كل شكل من أشكال المقاومة، يبرز جدل هنا وهناك حول أهمية هذا الشكل في هذه المرحلة بالذات، وهو الأمر الذي تعرضت له المقاومة الشعبية الفلسطينية في السنوات العشر الأخيرة، وازداد الأمر حدة إثر انطلاق مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة، التي أثارت وما تزال تثير جدلاً واسعاً في أوساط النخب السياسية والفكرية وعموم المواطنين.

تتمثل مشكلة الدراسة في الإجابة على السؤال البحثي الرئيسي التالي:
ما موقع المقاومة الشعبية السلمية في النضال الفلسطيني؟ وهل هي خيار استراتيجي أم خيار تكتيكي يفرضه الواقع؟
وينبثق عنه الأسئلة البحثية التالية:
1. ما أسباب ودوافع المقاومة الشعبية الفلسطينية؟
2. ما العوامل المعيقة للمقاومة الشعبية الفلسطينية؟
3. هل يمكن أن تتحول المقاومة الشعبية إلى استراتيجية وطنية فلسطينية؟

أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى ما يلي:
1. التعرف إلى موقع المقاومة الشعبية في النضال الفلسطيني، وهل هي استراتيجية وطنية أم خيار تكتيكي.
2. التعرف إلى أسباب ودوافع المقاومة الشعبية السلمية الفلسطينية وتحليلها.
3. التعرف إلى العوامل المعيقة للمقاومة الشعبية السلمية الفلسطينية.
4. التعرف إلى الآثار المترتبة على مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة.

أهمية الدراسة:

تتمثل أهمية الدراسة فيما يلي:
1. ليست الدراسة هي الأولى التي تتحدث عن المقاومة الشعبية الفلسطينية، لكنها ربما تكون الأولى التي جعلت من مسيرات العودة الكبرى 2018 نموذجاً للبحث.
2. قد تفيد الباحثين في الشأن الفلسطيني بشكل عام.
3. قد تفيد الباحثين في مجال المقاومة الشعبية.

منهجية الدراسة:

استخدم الباحث المنهج التاريخي والمنهج الوصفي في جمع المعلومات، إضافة إلى المنهج التحليلي، معتمداً على الأدب المنشور حول المقاومة الشعبية، وعلى التجارب الخاصة بذلك، محاولاً استنتاج الآثار المترتبة على المقاومة الشعبية بشكل عام، وعلى مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة بشكل خاص، عارضاً ما أمكن الرأي والرأي الآخر في اقتباساته واستشهاداته المرجعية.

حدود الدراسة:

تركز الدراسة في حدودها الزمانية على المقاومة الشعبية منذ بداية ظهورها، إلى مسيرات العودة الكبرى الفلسطينية التي بدأت رسمياً في 30/3/2018، وخصوصاً في قطاع غزة.

المبحث الأول: إطار مفاهيمي
المقاومة الشعبية السلمية الفلسطينية: دوافع ومعوقات
تُعدُّ المقاومة الشعبية وسيلة من وسائل مقاومة وتحدي الظلم والقهر والاستبداد، كما لها فلسفتها الخاصة والتي تنبع من الروح الإنسانية للناس، ولها وسائلها وأساليبها المختلفة والمتجددة، فقد مارسها الإنسان بمختلف العصور اضطرارياً في بعض الأحيان لانعدام الفرص والإمكانيات في مواجهة الخصم عنفياً، واختيارياً في أحيان أخرى، بناءً على قناعات وفلسفة خاصة بكيفية شكل ووسائل الصراع التي يجب أن تكون بين البشر، أو بناءً على استراتيجية محسوبة لتحقيق الأهداف بأقل الخسائر .

أولاً: في التعريف:
شغلت المقاومة الشعبية علماء علم الاجتماع وعلم السياسة، فحاولوا تعريفها في أكثر من اتجاه، فعرّفها بيتريم سوروكين Pitirim Sorokin بأنها: "سلوك مسالم وهادئ يجنح نحو التفاهم والود والانسجام مع الآخرين، ويتجنب القوة والخصام، حتى لو كلّف ذلك خسائر مادية ومعنوية". بينما يذهب الفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل Bertrand Russell إلى أنها: "سلوك عقلاني يهدف إلى تفادي الصراع مع طرف معين أو أطراف محددة، بغية إحلال السلام والانسجام مع الجهات التي قد تكون سبباً من أسباب القلق والتوتر". وأما مهاتما غاندي Mahatma Gandhi، فيذهب إلى أبعد من ذلك فيقول: "هي سلوك لا ينطوي على حب من يحبوننا فقط، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث إن اللا عنف يبدأ من اللحظة التي نشرع فيها بحب من يكرهوننا" . وأما جين شارب Gene Sharp فيعرفها بأنها "ممارسة حضارية تفرض على الجهة التي تعتمدها في حلّ مشكلاتها وصراعاتها مع الآخرين انتهاج أساليب إنسانية سلمية، تعتمد على التهدئة والمهادنة والتنازل عن بعض الحقوق، في سبيل التوصل إلى حلّ النزاعات التي تحقق طموحها ومصالح الأطراف المتخاصمة، دون اللجوء إلى العنف خياراً لحل المشكلات والأزمات" . ويؤكد عبد الرحمن التميمي وجود اتجاه آخر في التفكير عرّف المقاومة الشعبية بنمط مدني عنيف ونمط مدني لا عنيف، يتلخص الأول في المظاهرات، وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، والثاني هو اللجوء إلى القضاء من أجل منع مصادرة الأراضي أو هدم البيوت مثلاً . في حين يرى أيمن يوسف أن مفاهيم "المقاومة الشعبية" و"المقاومة المدنية" و"المقاومة السلمية" و"المقاومة اللا عنفية"، تتداخل ببعضها البعض في المحتوى والمضمون، وحتى في أساليب المقاومة، بالرغم من بعض الاختلافات في طرق تطبيقها، بناء على السياقات الثقافية والاجتماعية والوطنية من بلد إلى آخر. والتداخل هنا يحدث بسبب عدة عوامل مهمة، أولها، طبيعة الخصم أو العدو الذي تواجهه في ثورة شعبية، كأن يكون العدو أو الخصم نظاماً دكتاتورياً وطنياً، أو عدواً خارجياً أو محتلاً استيطانياً. أما العامل الثاني فيتوقف على التعريف العام للمقاومة في ظلّ بيئة ثقافية – اجتماعية – دينية - فلسفية لها نظرتها وتصوراتها ومفاهيمها العامة تجاه العنف واللا عنف. أما العامل ثالث، فينصب حول التجارب العالمية المتعددة في التحرر والاستقلال الوطني وآفاق التغيير الاجتماعي - السياسي في مناطق مختلفة من العالم، خصوصاً في دول العالم الثالث وشرق أوروبا، والوسائل والأدوات التي استخدمت لإحداث هذا التغيير البنيوي . ويرى أشرف صوافطة أن العديد من المصطلحات ارتبطت بمفهوم المقاومة للتعبير عن استخدام اللا عنف في المقاومة مثل: قوة الحقيقة، والاحتجاج السلمي، والمقاومة السلمية، والمقاومة المدنية السلمية، والمقاومة السلبية، والمقاومة غير العسكرية، والعصيان غير المسلح، والعصيان المدني، والمقاومة اللا عنفية، ونضال اللا عنف، وكفاح اللا عنف . ويؤكد أشرف المبيض أنه:
لا يتم في المقاومة ذات الطابع الشعبي أو المدني استخدام القوة المسلحة وأعمال العنف، وإنما تجري بأساليب مختلفة تعبّر عن السخط والاحتجاج، وتبدأ من مقاطعة السلطة التي تجري ضدها المقاومة إلى الصيام والامتناع عن الطعام، وقد تصل إلى حدّ تدبير التظاهرات والإضراب عن العمل، وقد توجه المقاومة الشعبية ضدّ السلطة أو السلطات القائمة بالاحتلال الحربي أو سلطات الاستعمار. وفي الحالة الأولى لا يمكن أن تختلط بالمقاومة الشعبية المسلحة التي تجري دائماً ضدّ قوى أجنبية، وأما في الحالة الثانية فقد تقع التفرقة بين نوعي المقاومة .
من جهة أخرى، يفرّق سفيان أبو زايدة بين مفهومي المقاومة الشعبية، والمقاومة الشعبية السلمية، فالأُولى عنده "يُقصد بها دمج كل الوسائل والإمكانيات الممكنة، واستخدام كل الخيارات دون استبعاد أيٍّ منها؛ الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والقانونية، والإعلامية، بما فيها الكفاح المسلح". وأما الثانية فهي عنده مقاومة:

تعتمد على انخراط أو إشراك أكبر قاعدة أو شريحة من الجماهير في مقاومة الاحتلال بشكل سلمي، بعيداً عن استخدام أي مظهر من مظاهر العنف أو السلاح، مستندة على إرادتها وعزيمتها وطول نفسها وتعاطف المجتمع الدولي معها ومع عدالة قضيتها، مستخدمة ضعفها والخلل في موازين القوى التي تميل لصالح الاحتلال كنقطة قوة لها من خلال سلميتها، وهي ما يمكن أن نطلق عليها الطريق الثالث بين العمل المسلح الذي يكلف الشعب الفلسطيني والتنظيمات كأطر وأفراد غالياً، وبين الخنوع والاستسلام للاحتلال .

وتخلص سلوى بكر حسن إلى أن مفهوم المقاومة الشعبية هو مصطلح يهدف إلى التغيير والتبديل في قرار معين أو موقف معين أو نظام كامل بأكمله، إذ يشكل الهدف السابق عاملاً مشتركاً بين المقاومة الشعبية والعنفية، ويختلف في كونه يتبع أساليب شعبية سلمية الطابع أقرّها الدستور في الحريات الممنوحة لأفراد المجتمع، وخارجة عنه في بعض السلوكيات، كالعصيان المدني وعدم الالتزام بواجبات المواطنة، إذ إن جميع المصطلحات السابقة تعبر عن فعل غير عنيف يسعى لمقاومة فعل غير مرغوب فيه، ولكن بدرجات متفاوتة من الفعل اللا عنفي ابتداءً من المقاومة السلبية، وانتهاءً بحرب اللا عنف، وبذلك يمكن عدُّ المقاومة الشعبية مصطلحاً جامعاً لكافة أشكال واستخدامات اللا عنف، في مواجهة كافة أشكال الظلم والقهر . ويعتقد هشام المغاري أن المقاومة الشعبية:

ليست مفهوماً سطحياً، بل هي نضال له فلسفته واستراتيجياته وآلياته المتعددة والمعقدة، وهي في حاجة لاستخدام الأسلحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إذ إن وقودها الشعب ومؤسساته. والخطوة الأولى في اتجاه المقاومة الشعبية تبدأ من التربية على الانتماء الوطني والشجاعة والجرأة والتضحية، بحيث تكسب المواطن قدرة على مواجهة الأعداء في سياق جماعي، دون خوف أو وجل، ودون تهور يعطّل الخطط أو يؤدي إلى الهلاك .

ويرى الباحث أن مفهوم المقاومة الشعبية في الحالة الفلسطينية ما زال بحاجة إلى مزيد من النضج، والتفعيل، والتثقيف، وإنتاج استراتيجيات خاصة بها، والاتفاق على آليات لتنفيذها، لتصبح وسيلة دائمة الحضور في النضال الفلسطيني. لكنها في المجمل، تُكمل ثلاثية أشكال التعامل مع الاحتلال التي مارسها الفلسطينيون؛ فمن المقاومة المسلحة التي ما زالت مستمرة ويمارسها جزء منهم، إلى التفاوض المباشر أو غير المباشر مع الاحتلال، ثم المقاومة الشعبية، التي أصبحت تحظى بالكثير من التأييد بين أبناء الشعب الفلسطيني، شريطة ألا تطغى واحدة منها على أخرى فتلغيها، وتبقى هذه الخيارات الثلاثة قائمة يجري استخدامها حسب التطورات الحادثة أو حسب الحاجة إليها، فهي منظومة واحدة تكمل كل وسيلة الأخرى. كما يفضل أن تكون الأساليب المتبعة في المقاومة الشعبية قريبة من قدرات الناس، ولا تؤثر في نمط حياتهم بشكل جذري، مع ضرورة توفير البدائل لبعض الأمور التي تؤدي إلى إحداث ضرر في حياة الناس، ما يساعدهم على الاستمرار في حياتهم بشكل طبيعي، كي يكون بمقدورهم الاستمرار في المقاومة لمدة أطول، وبذلك يتحقق أحد شروط المقاومة الشعبية.

ثانياً: في خصائص أو مميزات المقاومة الشعبية:

يشير كلٌّ من سلوى حسن وأشرف صوافطة إلى مجموعة من الخصائص أو المميزات للمقاومة الشعبية لتجعلها مختلفة عن باقي أشكال النضال الفلسطيني على النحو التالي :
1. فوق الدستور: أي أنها لا تنفذ إلى الخصم عبر الجهات السياسية الرسمية، كرفع الدعاوى القضائية، وكتابة الخطابات والتصويت، بل تتخذ لنفسها قنوات خاصة تمكّنها من تحقيق أهدافها، فهي تختلف عن الوسائل الدستورية التقليدية في أنها لا تحدد بما تسمح به الدولة، فقد يكون قانونياً أو غير قانوني، فعلى سبيل المثال يعد العصيان المدني، الذي هو خرق جماعي للقوانين، نشاطاً سياسياً من أنشطة المقاومة الشعبية، بينما الإضرابات التي تحدث ضمن الأطر الرسمية في الدول الديموقراطية لا تُعدُّ عملًا لا عنفياً، بل تصنف ضمن الوسائل الدستورية التقليدية، لأنها تتم في إطار رسمي للتعبير عن الرأي وتندرج ضمن قائمة الآليات المسموح بها، فالمقاومة الشعبية تعمل على وضع قواعد جديدة للعبة الصراع السياسي.

2. المواجهة: ترفض المقاومة الشعبية الوسائل المتراخية أو الاستسلام، إذ تسعى لخوض الصراع عبر مواجهة مدروسة، سواءً كانت مواجهة مباشرة أو غير مباشرة، عبر تقويض قوة الخصم والضغط عليه وإجباره على تغيير مواقفه أو تنفيذ مطالب المقاومة.
3. غير متوقعة المسارات والنتائج: على العكس من المقاومة الشعبية، فإن النتائج النهائية لاستخدام الوسائل الدستورية التقليدية تحدد من خلال القوانين وقواعد الممارسة السياسية المتعارف عليها، بينما أساليب المقاومة الشعبية يصعب على الخصم التكهن بها أو بنتائجها، لأنها ترتبط بقوانين أو قواعد غير معروفة، ونتائجها مرتبطة بنمط الحوار الدائر، عبر الأنشطة بين القوى المختلفة المشاركة في الصراع، ويُعدُّ غموض قواعد وقوانين المقاومة الشعبية من أهم أسباب نجاحها، لأنها تعتمد على استراتيجية المفاجأة والمخاطرة بحيث لا يستطيع الخصم التكهن بالخطوة القادمة.
4. توفر عنصر المخاطرة: إن أبرز ما يميز المقاومة الشعبية وأنشطتها هي أنها ترتكز إلى فكرة المقاومة التي تقوم على العصيان، وهي تعني خرق المساحات المحرمة وكسر الخطوط الحمراء، فنتائجها مرتبطة بمدى القدرة على استثمار عواقبها، وهذه العواقب هي جزء لا يتجزأ من النشاط، ولا بدّ من استثمارها في إدارة الأحداث مع الخصم.
5. ليست سلمية بشكل مطلق: لا يمكن القول إن هناك مقاومة لا يوجد بها عنف بشكل مطلق عندما يتعلق الأمر باستخدام وسائل الفعل المباشر، وهنا يكون العنف ليس جزءاً أصيلاً لفلسفة أو أنشطة المقاومة، ولكنها طارئة في أقل الحدود، فاللا عنف يضبط العنف، ويتحكم فيه ويحجمه، ولا يدّعي إلغاءه، فالمقاومة الشعبية السلمية، بلا عنف، بشكل مطلق أمر مستحيل.

ثالثاً: في مشروعية المقاومة الشعبية:
يشير عبد الرحمن التميمي إلى مجموعة من الشرعيات التي تقوم عليها مشروعية المقاومة الشعبية السياسية والاجتماعية في الحالة الفلسطينية وهي على النحو التالي :
1. الشرعية المجتمعية؛ حيث لاحظ أن الشرعية المجتمعية يعتريها كثير من الغموض، وأحياناً الرفض المجتمعي لأسباب منها: عدم وجود برنامج سياسي واضح للمقاومة الشعبية، واختلاف الآليات والمرجعيات في المواقع، إضافة إلى العلاقات الاجتماعية والسياسية داخل المواقع نفسها، وبالتالي، فإن الصورة العامة هي عدم وجود غطاء اجتماعي لهذه المواقع، بمعنى أن هناك ضرورة لفحص أسباب غياب الحاضنة الاجتماعية.
2. الشرعية السياسية؛ فعلى الرغم من أن فصائل العمل الوطني كافة تعلن تأييدها الكامل للمقاومة الشعبية، وتشير إليها تلميحاً في برامجها وبياناتها السياسية، وكذلك الحال في بيانات السلطة الفلسطينية ومواقفها، غير أن هذه الشرعية لم تُترجم بمؤسسات حقيقية، وعادة ما تكون المشاركات من شخصيات وطنية أو رسمية، رمزية، ولهذا لم نشهد ولادة مؤسسة كإحدى مؤسسات السلطة أو المنظمة تتبنى المقاومة الشعبية كمؤسسة أو هيئة. ولم يتم اعتمادها منهجاً سياسياً، وهناك غياب واضح مثلاً لتعميمات حزبية للأعضاء بضرورة المشاركة في نشاطات المقاومة الشعبية، كما أن السؤال حول جدواها مطروح داخل الفصيل الواحد أيضاً.
3. الشرعية المؤسساتية؛ حيث إن تعدد اللجان التي تدّعي المقاومة الشعبية وتعدد الأسماء والدلالات والمسمّيات، أحدث إرباكاً في مدى الشرعية المؤسساتية لهذه المسمّيات، كما أن هذه اللجان لا تبني برنامجاً مؤسساتياً واضحاً، بمعنى آخر ليس لها برامج محددة تستند إلى رؤية واضحة يستطيع المراقب رؤيتها أو المؤيد لها الانضمام على هذا الأساس، وبالتالي فإن المؤسساتية (رؤى وآليات وبرامج) توجِد شرعية بالمعنى الحقيقي، وإن لم يأخذْ شكلاً قانونياً.
بهذا الخصوص يشير موقع وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) نقلاً عن الحرس الرئاسي الفلسطيني؛ العلاقات العامة والإعلام، هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى مجموعة من الأسباب التي تدفع باتجاه المقاومة الشعبية مثل :
4. ضرورة مسايرة روح وواقع الثورات الشعبية العربية، التي قدمت أروع النماذج في كيفية تغيير الواقع عبر استنهاض البعد الجماهيري، بعيداً عن اللجوء إلى العنف المسلح وأدواته.
5. انشغال الشعوب العربية في ترتيب بيتها الداخلي، يجعل التعويل على دور عربي شعبي واسع لمساندة القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال، خارج السياق، ويفرض على القيادة الفلسطينية ضرورة التعاطي الذكيّ مع المعادلة الراهنة في الصراع مع الاحتلال عبر انتهاج أساليب غير عنفية.
6. ضرورة إبقاء روح المقاومة حية ومتقدة في نفوس الفلسطينيين.
7. ضرورة إحراج الاحتلال دولياً، والعمل على تشويش وإرباك مخططات التهويد والاستيطان؛ فكل يوم يمر دون فعل كفاحي فلسطيني يُنقص قدرة الفلسطينيين على مواجهة مخططات وإجراءات وجرائم الاحتلال، ويجعل مهمتهم في كبح التوغل الإسرائيلي على الأرض والمقدسات أكثر صعوبة.
8. الخروج من مأزق تناقض البرامج والأجندات الفصائلية، عبر التوافق على برنامج عملي لمواجهة الاحتلال يلقى تأييداً وتجاوباً من الجميع، ويضمن قبول ومشاركة الفصائل الفلسطينية دون استثناء.

رابعاً: في العوامل والخطوات الموضوعية الرافعة للمقاومة الشعبية السلمية:
يمكن الحديث هنا عن العديد من العوامل والمؤثرات التي من شأنها إنجاح المقاومة الشعبية السلمية، حيث يشير التقدير الاستراتيجي 73 لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات إلى مجموعة عوامل موضوعية نحو تعزيز المقاومة الشعبية كخيار في الضفة الغربية على وجه الخصوص وهي :
1. الثورات الجماهيرية العربية: أو ما اصطلح عليه بـالربيع العربي. لقد أعادت هذه الثورات ومنذ سنة 2010، حضور مفهوم قوة الشعب، ودور الجماهير في التغيير، وأعادت طرح التساؤل حول دور الجماهير في الحالة الفلسطينية والتي لطالما كانت سباقة وفاعلة في مواجهة المحتل، لكنها غابت بينما كانت حركة الجماهير تتصدر المشهد في تونس ومصر واليمن، ويمكن اعتبار هذا العامل بمثابة عامل تأسيسي بات اليوم أقل حضوراً في المشهد.
2. وصول التسوية السياسية إلى نهاية جديدة: كان الطريق المسدود الذي وصلت إليه مفاوضات أوسلو Oslo Accord وما بعدها في كامب ديفيد Camp David Accords سنة 2000، والفشل في الاتفاق على ملف القدس أو في إعلان دولة فلسطينية مستقلة، أحد أبرز العوامل التي مهدت الأرضية لانتفاضة الأقصى سنة 2000، وقد حرصت الولايات المتحدة والقوى العالمية على إعادة إطلاق "عملية سلمية" والمحافظة عليها مستمرة انطلاقاً من هذا الفهم، فانطلقت تجربة أنابوليس Annapolis سنة 2007، لكن الاستمرار فيها للأبد دون نتائج كان مستحيلاً. وجاءت محاولة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري John Kerry في تقديم مبادرة جديدة لاتفاق إطار محاولة منه لتقديم إنجازات تحيي هذه العملية وتحافظ عليها، وهذا ما يفسر الطابع "الرسالي" في إصرار كيري عليها، لكن فشله في إقرارها وفي الحصول على موافقة إسرائيلية عليها، أوصل تجربة أنابوليس إلى طريق مسدود جديد، وأعاد، بشكل من الأشكال، إنتاج المشهد المؤسس لانتفاضة الأقصى سنة 2000.
3. حرب غزة 2014: وحالة المفارقة التي أنشأتها بين "مجتمعين" و"سلطتين" و"واقعين" تقوم الازدواجية بينهما على الاستراتيجية والرؤية للمشروع الوطني، الأول مقاوم ومحاصر ومعزول ويتمكن من تحقيق إنجازات، والثاني ممول ومدعوم ومنفتح ويفشل في تحقيق الأمن الذاتي لأفراده.
4. اعتداءات المستوطنين وتغول الاستيطان: لقد أنتجت حالة التنسيق الأمني والمشروع الاقتصادي التخديري اللذين انبثقا من تجربة قيادة السلطة في رام الله وحكوماتها المتعاقبة منذ 2007 مجتمعاً بلا مخالب، وأنتجت السلطة الإسرائيلية التي تتجه أكثر فأكثر نحو سيطرة مطلقة لليمين الإسرائيلي مزيداً من الاستيطان ومن دعم المستوطنين، وهذا أنتج حالة تغول غير مسبوقة للمستوطنات على الموارد والكتل السكانية الفلسطينية، وللمستوطنين على سكان الضفة الغربية، بالذات في القرى وفي الطرق بين المراكز الحضرية المصنفة تحت المنطقة أ في جغرافيا اتفاق أوسلو، وهذا ما عزز ويعزز الشعور بالحاجة للمواجهة والحماية الذاتية لدى جمهور الفلسطينيين، خصوصاً في ظلَ قرار سياسي بعدم مواجهة الشرطة الفلسطينية لهم، وعجزها التام بالتالي عن تقديم أي حماية للجمهور.
5. التهويد المتواصل للقدس وحالة المواجهة المستمرة: فالمسجد الأقصى مستهدف بالتقسيم الزماني والمكاني، والاستيطان يتغول في القدس، والمقدسيون يوضعون تحت أسوأ الظروف المعيشية لدفعهم للهجرة، وإمكانية أن تكون القدس جزءاً، ولو بشكل رمزي، من أي دولة فلسطينية تنشأ عن التسوية باتت مستحيلة في عين من يعيش الواقع في الضفة الغربية، وبات واضحاً أن المقدسات والثوابت والهوية والوجود في القدس تواجه ضياعاً محققاً إن استمرت الأمور على ما هي عليه، وهذا أيضاً يعيد بشكل من الأشكال إنتاج أحد الظروف المؤسسة لانتفاضة الأقصى سنة 2000. لكن إضافة لذلك، تشهد القدس اليوم حالة مستمرة من الاشتعال، والمواجهات اليومية تتنقل فيها بين باب حطة وسلوان ورأس العمود وشعفاط ومخيم شعفاط وحاجز قلنديا والعيسوية، والمواجهات تندلع على خلفيات لا تنتهي: اقتحام الأقصى، ومنع من الصلاة، ومحاولات اعتقال، وإخلاء منازل، وهدم منازل، أو حتى افتتاح منشآت جديدة تابعة للبلدية، ويمكن القول إن القدس تشهد على مدى سنتين مضتا حالة مواجهة شعبية مستمرة لم تتح الظروف لها للانتقال إلى محيطها الملاصق في الضفة الغربية.
6. تواصل العمليات العسكرية الفردية: شهدت سنتا 2013 و2014 تصاعداً كبيراً في عمليات المقاومة الفردية، من الدهس بالجرافات والسيارات إلى عمليات القنص وإطلاق النار من سلاح ناري، إلى اختطاف المستوطنين، وهذه العمليات على الرغم من أنها لم تتسع لتصبح حالة شاملة، إلا أنها تؤشر إلى حالة مقاومة كامنة ومستمرة تعوق الظروف الحالية، والتي سنبحثها بالتفصيل أدناه، تعبيرها عن ذاتها، لكنها قد تتمكن من التطور والتأقلم لتظهر بصورة أخرى أكثر قابلية للاحتضان والانتشار، والمقاومة الشعبية هي إحدى هذه الصور.
7. البيئة السياسية المحيطة بالضفة الغربية: تشكل الضفة الغربية وحدة جغرافية معزولة، تحيطها "إسرائيل" من ثلاث جهات، بينما يحيطها الأردن من الجهة الرابعة، وكلتا الدولتين متفقتان على عدم السماح بنشأة قوة مقاومة مسلحة في الضفة الغربية، وعدم توفير فرص التسلح والإمداد والتنظيم لها، وهذا يجعل نشأة أرض آمنة للتصنيع والتدريب والتنظيم أمراً يكاد يكون مستحيلاً، كما أن الوجود الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي يتخلل الضفة من كل الاتجاهات، وهذا ما يجعل المقاومة الشعبية أقرب إمكانية، بالرغم من كون المراكز المدنية الأساسية خاضعة للسلطة الفلسطينية، إلا أن إيجاد نقاط التحام مع الاحتلال ليس صعباً ولا مستعصياً. في الوقت عينه، يلوح في الأفق متغير محتمل يتمثل في المحاولات المتتالية للحكومة الإسرائيلية لإخراج الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة سنة 1948 عن القانون، وهذا إن حصل سيجعل المقاومة الشعبية والعصيان المدني الواسع أحد أبرز خياراتها.
8. الاتفاق النظري على المقاومة الشعبية: فالمقاومة الشعبية كانت الاستراتيجية المستقبلية التي اتفق عليها بين فتح وحماس في اتفاق مكة سنة 2007، والتي تبنتها حركة فتح في مؤتمرها السادس في بيت لحم سنة 2009، كما أنها شعار ترفعه فصائل اليسار وبعض قوى الساحة الفلسطينية مثل المبادرة الشعبية، وهذا ما يمنح هذا الشكل من المقاومة مشروعية واسعة، على الرغم من أن تبنيها في واقع الأمر كان مخرجاً من مأزق ثنائية المقاومة، المفاوضات، أكثر مما كانت أداة استراتيجية قصدت مختلف الأطراف فعلاً استخدامها.
فيما يعرض أبو زايدة مجموعة أخرى من العوامل منها على سبيل المثال :
1. السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها ومؤسساتها المختلفة يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذه المقاومة الشعبية السلمية من خلال تخصيص الموازنات وتغيير الأولويات وتسخير كل ما لديها من إمكانيات لإنجاح هذه المقاومة.

2. يجب أن يكون واضحاً للجميع وتكون القيادة صريحة مع نفسها، بأن هذه المقاومة السلمية هدفها التخلص من الاحتلال، وليس تحسين شروط التفاوض التي ستعيد الفلسطينيين إلى المربع الأول دون تحقيق الهدف المنشود وهو التخلص من الاحتلال.

3. الفصائل الفلسطينية بقياداتها ورموزها وكوادرها وعناصرها ومناصريها يجب أن تشارك بكامل قوتها في هذه المقاومة جنباً إلى جنب مع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، لما سيكون هناك من أعباء اقتصادية من المفترض أن يشارك الجميع في تحملها.
4. لكي لا تتكرر الأخطاء التي ارتكبت خلال التجارب السابقة، يجب تعزيز الثقافة لدى الجماهير الفلسطينية في كل ما يتعلق بالنضال السلمي، بعيداً عن أي مظهر من مظاهر العنف، وعدم الانجرار خلف الاستفزازات الإسرائيلية من جيش ومستوطنين، بهدف حرف المسار من مسار شعبي وسلمي إلى مسار المواجهات المسلحة أو العنيفة.

5. يجب أن تُتخذ خطوات سياسية من قبل المنظمة والسلطة تشكل حافزاً للجماهير الفلسطينية للاقتناع بتبني هذا النهج، مثل وقف التنسيق الأمني وإعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال وفك الارتباط "التدريجي" مع الاحتلال.

خامساً: في العوامل الموضوعية المثبطة أو التي تُعيق تطبيق المقاومة الشعبية:

يشير التقدير الاستراتيجي 73 لمركز الزيتونة إلى مجموعة من العوامل الموضوعية المثبطة للمقاومة الشعبية في الضفة الغربية بما يلي :
1. التوجه الوظيفي للقيادة الفلسطينية: فقد نجح اتفاق أوسلو على مدى سنوات تطبيقه في إعادة قولبة القيادة الفلسطينية وتعريفها للمصالح الوطنية، فهي قيادة انتقلت للتفكير بمنطق البقاء والحفاظ على الكينونة، الذي هو منطق الدول، قبل أن تمتلك دولة، وباتت تعرف كل ما يؤثر على كينونة وبقاء السلطة خطراً، والمقاومة المسلحة أو الانتفاضة الشعبية من هذا المنطلق يصبح مجرماً، وكل ما يؤدي إلى قطع المساعدات والاعتماد الدولي يصبح خطراً، ومن هذا الباب نفسه تقرأ انتفاضة سنة 2000 على أنها هزيمة، لأنها أعادت بُنَى السلطة إلى الخلف وأدت لتدمير جزء منها، وتقرأ أي مخاطرة بهذه البنى على أنها عبث، وتقرأ ضمان تدفق الدعم الدولي للموازنة على أنه تحقيق للمصالح الوطنية، بغض النظر عن الثمن المدفوع لتحقيقه، ودون أدنى نقد أو تفحص لفكرة الدولة التي تعيش على المساعدات وتعرف مصالحها الوطنية من منظورها. هذا التوجه يعني ببساطة تجريم أي فعل يجر ثمناً على الفلسطينيين، وباختصار تجريم أي فعل مقاوم، شعبياً كان أم مسلحاً، وإعادة تعريف المقاومة في أشكال لا يترتب عليها ثمن باهظ.
2. التنسيق الأمني: وهو المظهر الأمني لهذه العقلية السياسية، فالمشروعية الإسرائيلية مدخل للشرعية العالمية واستمرار الدعم والحفاظ على المؤسسات، ومن هذا الباب يغدو "مقدساً". لقد أنتجت القيادة المقولبة في ظلّ أوسلو "فلسطينياً جديداً" في أجهزتها الأمنية ليست المواجهة مع "إسرائيل" واحدة من خياراته، وهو ما لم تفعله القيادة التي أسست أوسلو كحقبة سياسية، واحتفظت بمختلف أوراقها بما فيها توجيه قوى الأمن الفلسطيني تجاه المحتل عند الضرورة. وللتنسيق الأمني علاقة مركبة بالمقاومة الشعبية، فهو إذ يجعل تشكيل الخلايا العسكرية والتنظيمية صعباً، ويجعل التفكير بمثل هذا الخيار مخاطرة يبتعد عنها الجمهور، إلا أنه بهذه الطريقة يعيد توجيه البوصلة نحو المقاومة الشعبية، كشكل أقدر على تجاوز هذا التنسيق، وأقرب إلى التحقق حتى في ظلّ وجوده.

3. التخدير الاقتصادي: المبني على تضخم في الكادر والرواتب، وانتزاع الجمهور من الأعمال المنتجة زراعياً وحرفياً إلى وظائف ريعية تعتمد على الدعم الخارجي، وبناء فكرة "أسهل" عن الدخل، تقابلها تسهيلات واسعة في القروض البنكية تبني نمطاً استهلاكياً من الحياة، وتجعل التفكير بعمل مقاوم أو خارج إطار موافقة السلطات ضرباً من المخاطرة المذلة لصاحبها الذي سيغدو مهدداً بفقدان مسكنه وأثاثه ووسيلة تنقله. هذا العامل هو العامل الأساس في تحويل خيار المقاومة إلى خيار مستبعد شعبياً، وهو أبعد أثراً وأعمق وصولاً من التنسيق الأمني، ولا يمكن استعادة حالة مستعدة للمقاومة ومنتشرة جماهيرياً دون تأسيس حالة مضادة له.
4. الانقسام السياسي: الذي منح الخيارات السياسية الوظيفية لقيادة السلطة غطاء وطنياً من "العصبية" التي تمثلها نتيجة الاستقطاب، وأنشأ حالة غريبة ومركبة؛ فالقيادة السياسية تتبنى باسم فتح خيارات لا يرضى عنها معظم أفراد فتح، لكنها تكتسب المشروعية لكونها تمثل العصبية في مواجهة العصبية المناقضة. هذه الحالة تجعل تثبيط المقاومة ومواجهة المقاومة أسهل، وتكتسب مرجعية وطنية، وتصبغ عليها حالة من الضياع بين كونها أجندة تناقض أهداف المشروع الوطني الفلسطيني، أو تناقض أهداف وسلوك فصيل منافس يسعى إلى السلطة.
5. تشوه مفهوم المقاومة الشعبية: في ظلَ ثنائية المقاومة المسلحة في مواجهة المقاومة السلمية واللا عنفية، إذ نشأت في بعض أوساط النخبة اليسارية والنشطاء الفلسطينيين حالة تمجد المقاومة السلمية، وتعيد تأويل ورسم تاريخ النضال الفلسطيني بوصفه نضالاً سلمياً رومانسياً "تشوه" بالمظاهر المسلحة لانتفاضة سنة 2000، ونشأت حالة تبني على وجود المتضامن الأجنبي والإسرائيلي اليساري أحياناً، وتسمح بتسلل تعريفاتهما لأهداف المشروع الوطني الفلسطيني وأولوياته وأدواته، أو تحولت إلى حالة طقوسية أسبوعية في بؤر محددة ضدّ الجدار، لم تفلح على الرغم من تضحيات أهل تلك القرى والمشاركين في تلك المواجهات في اكتساب الشعبية والتحول لخيار جماهيري حتى الآن. إن المقاومة الشعبية ليست رديفاً للمقاومة السلمية أو اللا عنفية، وهي تعني ببساطة التبني الشعبي لخيار المقاومة الشاملة، وانخراط أكبر عدد من الجماهير فيه، سواء استخدم أدوات اللا عنف أم الشغب أم التخريب أم السلاح، لكن الثنائية أعلاه دفنت تحتها هذا المفهوم.
ويقدم أبو زايدة مجموعة من الأسباب التي من الممكن أن تعيق تطبيق المقاومة الشعبية الفلسطينية كما يلي :

1. النموذج الجديد في المقاومة الشعبية السلمية حتى الآن محصور التأثير من حيث عدد المشاركين ومن حيث النتائج، وذلك لعدم قناعة الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني بأن هذا النهج قد ينجح في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، لذلك يجب التحضير جيداً لإقناع الجماهير بجدواه.
2. الخلاف القائم بين الفصائل الفلسطينية على مفهوم المقاومة الشعبية السلمية.
3. استمرار الانقسام السياسي الفلسطيني يلقي بظلاله على أي خطوة أو جهد، وكفيل بتعطيل أي خيار قد يتخذه الفلسطينيون للخروج من أزمتهم.

4. التخوف من الانجرار إلى مربع العنف بإخراج المقاومة الشعبية عن سياقها السلمي، وتدهور الحالة إلى مواجهة مع الاحتلال على غرار 2008، و2012، و2014، مما ينهي حالة الشعبية والسلمية عن النشاط.
5. الخشية من عدم القدرة على ضبط الأعمال الفردية التي قد تحرف المقاومة الشعبية عن سلميتها، مما قد يؤدي إلى حدوث فوضى وبروز العديد من المظاهر المسلحة التي قد تُستغل لتعطيل عمل مؤسسات السلطة، خصوصاً الأمنية منها، الأمر الذي سيفسح المجال أمام مسلكيات فردية سلبية تزيد من الأعباء، وتضاعف من المعاناة الملقاة على كاهل الناس بشكل كبير.
يذكر أيمن يوسف عدّة أشكال للمواجهة للنضال السلمي مع الخصم المحتل أو الدكتاتور في الميدان من بلد إلى آخر، ومن موقع إلى آخر اعتماداً على طبيعة هذا الخصم أو العدو، واعتماداً على إمكانيات الحركة الشعبية وقدراتها، على النحو التالي :
1. المقاومة الرمزية Symbolic؛ عبر المحافظة على قنوات الاتصال الفعال بين أعضاء المقاومة نفسها، والعمل على استخدام الإشارات والرموز والأسماء الحركية وحتى اللباس في سبيل تدعيم الشعور الوطني بين الناس، وحضور المناسبات الوطنية وإحياء التراث الشعبي.
2. المقاومة التراكمية Accumulative؛ من خلال المحافظة على أداء الحركة في الميدان، ونقل الاحتجاجات إلى أوساط الحركة الشعبية، والعمل الجاد لتشجيع الآخرين للمحافظة على الكفاح أو النضال ضدّ الخصم أو العدو.
3. المقاومة الهجوميةOffensive ؛ عبر تنظيم سلسلة فعاليات على الأرض لإحباط الخصم ودفعه للشعور باليأس، وتكثيف المظاهرات والإضرابات وكل النشاطات الأخرى المباشرة التي تأخذ من الشعب والجماهير صفوفاً مؤيدة لها.
4. المقاومة الدفاعية Defensive؛ التي تعمل على المحافظة على الإنسان والبشر وعدم الانسياق وراء قوة الخصم المدمرة، والمحافظة على أخلاقيات المقاومة والقيم الإنسانية العالمية، خصوصاً فيما يتعلق بالعنف والقتل وتخريب الأملاك والممتلكات. مثل هذا النشاط يهدف في المحصلة النهائية إلى تحييد قوة الخصم المدمرة، ويمنعه من الاستخدام المكثف للقتل والتدمير.

5. المقاومة الإيجابية Positive؛ البناءة التي تعمل على إيجاد بدائل على مستوى القانون العام أو المؤسسات والتي تخدم بدورها الناس، وتدفعهم لعدم اللجوء إلى مؤسسات المستعمر أو النظام الدكتاتوري، وتفصلهم مع مرور الوقت عن بنية المستعمر، وتركيبته الاقتصادية، والتنموية، والبيروقراطية، والأمنية أيضاً. فيما يجعل هشام المغاري أشكال المقاومة الشعبية الفلسطينية في نمطين رئيسين، هما: المقاومة الشعبية الشاملة التي شاركت فيها فئات الشعب كافة، وامتدت إلى جميع المناطق الفلسطينية، واستمرت عدة سنوات. والمقاومة الشعبية المحدودة، من حيث الفئات أو المناطق المشاركة فيها، وعادة ما تستغرق فترة زمنية قصيرة .

سادساً: في التجربة الفلسطينية للمقاومة الشعبية:
شكّلت المقاومة الشعبية الفلسطينية حالة قادرة على ترسيخ الشعب الفلسطيني في جذوره وتراثه وأرضه، وكان الشعب الفلسطيني وما يزال يتصدى لكافة عمليات استئصال تلك الجذور والتراث والأرض والهوية العربية الإسلامية أمام مختلف القوى الاستعمارية التي مرّت على فلسطين، ويمكن استعراض تاريخ الشعب الفلسطيني الحافل بالمقاومة الشعبية بمجموعة من المراحل التي تلازمت مع كل أزمة مرت على الشعب الفلسطيني بدءاً بانتهاء الحكم العثماني وتبلور المشروع الصهيوني، مروراً بالانتداب البريطاني، وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي، على النحو التالي :
1. بدأت الثورة الفلسطينية بالمقاومة الشعبية ضدّ المشروع الصهيوني قبل الانتداب البريطاني سنة 1917، حيث برزت المقاومة الشعبية الفلسطينية بداية العقد الأخير من القرن الـ 19، عندما تنبه الفلسطينيون إلى خطر المشروع الصهيوني المتمثل في الهجرة اليهودية الجماعية والاستيطان الصهيوني، إذ بادر العديد من الأدباء والكُتّاب والصحفيين برفع العرائض والاحتجاجات إلى السلطات العثمانية لتقييد الهجرة الصهيونية، بعد كشف مخططاتها وأهدافها ومخاطرها. وتعدّ انتفاضة موسم النبي موسى سنة 1920، أولى الانتفاضات الشعبية الفلسطينية.
2. كانت المرحلة الثانية في أثناء الانتداب البريطاني حتى سنة 1948، إذ شهدت المقاومة الشعبية بدءاً من عهد الانتداب نشاطاً واسعاً في مقاومته، وتميزت تلك المرحلة بتقديم البراهين والأدلة التي تدعم حقّ العرب في فلسطين، وتفنيد الادعاءات الصهيونية، كما نفّذت العديد من الإضرابات وأُجريت مفاوضات مع الحكومة البريطانية. ولعل من أبرز صور المقاومة الشعبية في هذه المرحلة؛ الإضراب الكبير الذي استمر 178 يوماً، الذي شلّ الحياة العامة في عموم فلسطين سنة 1936؛ والذي كان أطول إضراب لشعب في التاريخ، حيث طالب الفلسطينيون بوقف الهجرة اليهودية، ومنع انتقال الأراضي لليهود، وتشكيل حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

3. وأما المرحلة الثالثة فتمتد بين 1948 و1987، حيث شكّلت النكبة الفلسطينية مرحلة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني، إذ تراجعت المقاومة الشعبية أمام المقاومة المسلحة التي امتدت حتى انتفاضة الحجارة سنة 1987، مع الأخذ بعين الاعتبار بقاء حالة المقاومة الشعبية في تلك الفترة بين حالتي المد والجزر على شكل ردود أفعال لا استراتيجية ممنهجة. وكان أعظم فعل شعبي في هذه الفترة تلك المظاهرة الشعبية التي نُظمت سنة 1955، رداً على مشروع توطين الفلسطينيين، وخصوصاً أهل غزة في سيناء، فيما عُرف حينها بـ"مشروع جونستون Johnston Plan"، وارتقى خلالها ثلاثون شهيداً. ومن صور المقاومة الشعبية أيضاً، ما يعرف بـ"يوم الأرض"، فقد شكل تاريخ 30 آذار/ مارس، مناسبة سنوية لذكرى الهبّة الشعبية التي قامت في أراضي فلسطينيي 48 سنة 1976، ضدّ قيام الاحتلال الصهيوني بمصادرة آلاف الدونمات من قرى فلسطينية في الجليل في سياق مخطط تهويدي، واستشهد فيها ستة فلسطينيين على أيدي قوات الاحتلال.
4. وأما المرحلة الرابعة فيمكن التأريخ لها منذ بداية انتفاضة الحجارة كانون الأول/ ديسمبر 1987، التي تميزت بشعبيتها وسلميتها، مما أكسبها تأييداً محلياً، وعربياً، ودولياً، حيث شكّلت هذه الانتفاضة نقلةً نوعيةً في تاريخ الصراع مع الاحتلال، فعملت على إرهاقه مادياً وعسكرياً وسياسياً، حيث استمرت أكثر من سبع سنوات، وتمكنت من تجنيد كافة فئات الشعب الفلسطيني الاجتماعية، ومستوياته الفكرية، وانتماءاته السياسية، لإيجاد مقاومة شعبية جماهيرية، في وجه غطرسة واعتداءات قوات الاحتلال.

5. بعد إنشاء السلطة الفلسطينية سنة 1994، كانت المرحلة الخامسة من مراحل المقاومة الشعبية الفلسطينية، حيث تميزت الفترة من 1994-2000 بانحسار دور الفصائل في مقاومة الاحتلال، إلا ما كانت تقدمه حماس والجهاد الإسلامي من عمليات استشهادية أو اشتباكات مسلحة مع قوات الاحتلال والمستوطنين في غزة والضفة الغربية. حتى مطلع 1996، الذي شهد البداية الحقيقية للصراع السياسي مع السلطة التي كانت ترفض العمل المسلح، قامت باعتقال المئات من نشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وشنت حملة واسعة ضدّ مؤسساتهما الاجتماعية والخيرية، كذلك أدى انخراط العديد من نشطاء انتفاضة 1987 في السلطة، وتقلدهم وظائف مختلفة، إلى تخفيف حدة العمل المقاوم ضدّ الاحتلال، حتى انطلقت شرارة انتفاضة الأقصى أيلول/ سبتمبر 2000، التي عاد الفلسطينيون عبرها إلى استخدام وسائل المقاومة الشعبية مثل المظاهرات والمسيرات ضدّ الاحتلال من المدارس والجامعات، وتنفيذ الاعتصامات أمام المؤسسات الدولية وتجمعات المستوطنين وغيرها من الفعاليات الشعبية، كما استُخدمت الأسلحة النارية رداً على جرائم الاحتلال التي ذهب ضحيتها العديد من الشهداء والأسرى والجرحى.

يمكن القول هنا أنه بعد انتفاضة الأقصى 2000، وبعد إعادة انتشار قوات الاحتلال في غزة سنة 2005، تركزت المقاومة الشعبية الفلسطينية ضدّ جدار الفصل العنصري وضدّ الاستيطان، كما تركزت هذه المقاومة أيضاً في قرى محددة مثل قرى بلعين، ونعلين، والمعصرة، والنبي صالح، وغيرها، حيث مارس الفلسطينيون أسلوباً جديداً من وسائل المقاومة الشعبية في هذه المرحلة، وتمثّل في بناء العديد من القرى الفلسطينية فوق الأراضي المهددة بالمصادرة كقرية باب الشمس، وقرية باب الكرامة. كما استخدموا وسائل جديدة ومبتكرة من وسائل المقاومة الشعبية، ولعل أبرزها؛ المقاومة القانونية، إذ نجحوا في إقناع الأمم المتحدة United Nations بتبني موقف يرفض بناء جدار الفصل، وتمكنوا من حشد الكثير من المتضامنين معهم لممارسة هذا الشكل من المقاومة، والوقوف معهم في مواجهة الاستيطان وتغول الاحتلال، فكانت المتضامنة راشيل كوري Rachel Corrie نموذجاً قوياً على ذلك، إضافة إلى نشاط ملحوظ لحركة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس) Boycott, Divestment and Sanctions (BDS) campaign؛ اقتصادياً وأكاديمياً ودبلوماسياً، كما تمكن الفلسطينيون من مخاطبة الرأي العام الدولي من خلال حشد التغطية الإعلامية لنقل صور ومشاهد الاحتجاجات والمظاهرات السلمية التي تجري بشكل منتظم أسبوعياً في القرى الفلسطينية مثل: مسيرة كفر قدوم، ومسيرة نعلين والمعصرة والنبي صالح.
من الجدير بالذكر هنا أنه في 10/12/2014، استشهد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وعضو المجلس الثوري لحركة فتح زياد أبو عين، بعد الاعتداء عليه من قبل جنود الاحتلال بالضرب واستهدافه بقنابل الغاز المدمع، خلال مسيرة في بلدة ترمسعيا شمال رام الله، حيث تعرض لاعتداء من قبل جنود الاحتلال خلال قيامه ونشطاء فلسطينيين بزراعة أشجار زيتون في ترمسعيا، كما استنشق الغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى دخوله في حالة غيبوبة، حيث جرى تحويله إلى مستشفى رام الله الحكومي، وهناك أعلنت المصادر الطبية استشهاده .

سابعاً: في تحليل المقاومة الشعبية الفلسطينية:
من الضروري التأكيد هنا بأنه يصعب على أي باحث الحديث عن المقاومة الشعبية الفلسطينية المعاصرة بوصفها ظاهرة موحدة متجانسة، فهي تفتقر إلى صفات الظاهرة السياسية (غياب المشروع، والبرنامج، وآليات التطبيق)، وهي تفتقر إلى صفات الظاهرة المجتمعية (ثقافة العنف الخالص أو اللا عنف الخالص)، وهي تفتقر إلى ملامح الاستدامة (القدرة على التكيف مع المتغيرات السياسية)، وهي أيضاً ليست عملاً عشوائياً خالصاً، فلديها إلى حدٍّ ما نوع من التنظيم غير الممأسس.
يرى أشرف صوافطة أنه: "لم تكن أنشطة المقاومة الشعبية الفلسطينية غالباً ضمن رؤية متكاملة لمقاومة شعبية، ولم تكن ممنهجة وواعية، فكل ما قُدم في فترة ما بعد انتفاضة 2000، كان لا يرتقي إلى برنامج مقاومة فعّال موحد" . فيما يؤكد أشرف المبيض، أن التجربة النضالية الفلسطينية لم تشهد توافقاً على أسلوب معين ومحدد للمقاومة سواءً المسلحة أم المدنية، باستثناء فترة الستينيات من القرن العشرين، حين كان هناك شبه إجماع على الكفاح المسلح لتحرير كل فلسطين، إلا أنه سرعان ما تحول إلى كفاح سياسي على جزء من فلسطين، ثم حزمة من الأساليب النضالية المختلفة موزعة على تنظيمات متعددة منذ أواخر الثمانينيات .
ظلّت المحاولات الفلسطينية على جميع المستويات الشعبية والرسمية والتنظيمية، منذ بدء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، تتبنى خيار المقاومة المدنية ولا تتخطى إطار الدعوات والنداءات، لتطبيق أساليبها بالمقاطعة والعصيان . وحققت الفعاليات والتحركات المدنية الفلسطينية التي بادر إليها بعض أهالي القرى والبلدات نجاحاً كبيراً، فقد أفشل أهالي قرية بتير، الواقعة جنوب غربي القدس المحتلة، خلال الفترة 1947-1949، المخططات الصهيونية لتهجيرهم من قريتهم، وذلك باستخدامهم أساليب المقاومة الشعبية، وإظهار المعاناة أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما نجح أهالي قرية بلعين سنة 2010، في إزالة جدار الفصل العنصري عن معظم أراضيهم عبر وسائل المقاومة المدنية .

بدا واضحاً أن انتفاضة 1987، وكذلك انتفاضة الأقصى 2000، حققتا مستوياتٍ عاليةً من المشاركة الشعبية، وكسبتا تعاطفاً وتضامناً عربياً ودولياً، نتيجة تنافس كل الفصائل وانخراطها فيهما، بيد أن غياب التنسيق الواضح بين هذه الفصائل، واتجاه كل فصيل إلى رؤية مختلفة عن الآخر في المقاومة، أفرغ الانتفاضة من مضمونها، بل وضع حداً لها، بدلاً من تسخير الدعم والجهد لاستثمارها في حلٍّ مستقبلي . ويرى هشام المغاري:
أن الفلسطينيين برغم تضحياتهم الجسيمة، وقدرتهم على إدارة المقاومة الشعبية، لم يُحسنوا استخدام أشكال المقاومة الشعبية على الوجه الأمثل، فالمجتمع الفلسطيني لم يحافظ على تماسكه الداخلي، وتعرض للانقسام مرات عديدة خلال تاريخه الحديث، سواء بسبب الانتماء العائلي، أو الولاء الحزبي، كما أن القيادة الفلسطينية لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب من الوحدة والقوة، حيث لم يشهد تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية وحدة قيادية قادرة على قيادة المقاومة وتوجيهها، كما أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تستطع كسب تأييد طرف ثالث من الأطراف الدولية الفاعلة القادرة على الضغط على إسرائيل، وتلبية حقوق الشعب الفلسطيني التي أقرها القانون الدولي .
يبني عبد الرحمن التميمي تحليله لواقع المقاومة الشعبية الفلسطينية على محددات متنوعة مثل :
1. مشاركة الأحزاب السياسية، مبيناً أن نسبة مشاركة القيادات الحزبية لا يتجاوز 2% من مجموع النشاطات التي تقوم بها فعاليات المقاومة الشعبية، كما أن نسبة تغطية أخبار المقاومة الشعبية في مواقع الأحزاب السياسية والفصائل أو البيانات الصادرة هي 3.5%، كما بلغت نسبة الفعاليات الحزبية الخاصة بالمقاومة الشعبية 1% في سنة 2012، وتميزت مشاركة الأحزاب في الفعاليات بالرمزية والمنظرية في أكثر الأحيان. وهو ما فسره بأن الفصائل السياسية لديها ريبة من قيادات المقاومة الشعبية.
2. مشاركة المجتمع المحلي، حيث تبين له أن نسبة المشاركة المجتمعية لا تتجاوز 2%، وهي نسبة متواضعة تُعزى إلى عدم استخدام أدوات التحريض على المشاركة والتحفيز في تبني مشروع المقاومة الشعبية، وهذا ناتج من التركيز على المتضامنين من جهة، ومن جهة أخرى بسبب التباين في النسيج المجتمعي داخل القرى التي تنشط فيها المقاومة الشعبية، وانعكاس السلبية العشائرية والعلاقات الاجتماعية على حجم المشاركين في الفعاليات، ويصل الأمر إلى أن هناك من يقف ليس في صف المنتقدين فحسب، بل أيضاً في صف المشككين في خلفيات مثل هذه الفعاليات.
3. مشاركة المجتمع الدولي، مبيناً أن هناك مشاركة عالية للمتضامنين الأجانب في فعاليات المقاومة الشعبية بنسبة تصل إلى 50% أحياناً من عدد المشاركين، وهذا يعود لأسباب متنوعة منها أن معظم هؤلاء المشاركين قادمون لهذا الغرض خصوصاً، ومنهم من لديه دوافع أيديولوجية أو تضامنية، وهناك نسبة لا بأس بها من اليسار الإسرائيلي، ونسبة أخرى غير معروفة الأهداف، مشيراً إلى أن معظم المتضامنين الأجانب لديهم رؤية حول أهمية التعايش، وليس على أهمية حلٍّ عادلٍ لقضية الشعب الفلسطيني، لافتاً إلى أنه من السذاجة إغفال أن "إسرائيل" تقوم بإرسال العديد من عملائها المحليين أو أفراد مخابراتها داخل صفوف المتضامنين .

يمكن القول هنا أن انحسار الخيار المسلح وتضييق الخناق عليه، يدفع إلى الاهتمام بفتح آفاق أوسع، وخيارات أكثر، في معركة الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه، وذلك من خلال المقاومة الشعبية أو المدنية، فالتظاهرات والاعتصامات السلمية، والإضرابات، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والسعي إلى توفير بديل وطني عنها، وخوض المعركة القضائية لإدانة مرتكبي جرائم الحرب في "إسرائيل"، والتوظيف الواعي لوسائل الإعلام والفن في مخاطبة العالم باللغة التي يفهمها، وإظهار جرائم الاحتلال بحق الإنسان والتاريخ والأرض، والعمل على حشد رأي عالمي مناهض لهذا الاحتلال، كلُّ هذه أشكال نضالية لا تقل أهمية عن النضال المسلح، بل ربما تتفوق عليه أحياناً في بعض الظروف.

المبحث الثاني: مسيرات العودة الكبرى: الفكرة، والأهداف، والمستقبل حتى فترة قريبة كان مفهوم المقاومة الشعبية يتمثل بصورة أشمل وأوضح في الضفة الغربية أكثر منه في قطاع غزة؛ ومردُّ ذلك وجود احتكاك مباشر مع الاحتلال الإسرائيلي، ومنع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية العمل المقاوم المسلح ومطاردتها له، فبقي خيار المقاومة الشعبية أفضل الخيارات هناك، بينما منع عدم الاحتكاك المباشر مع الاحتلال، إضافة إلى تنامي العمل المقاوم المسلح في قطاع غزة ظهورَ المقاومة الشعبية على الوجه المعروف في الضفة الغربية في قطاع غزة، حتى بدأت فكرة مسيرات العودة الكبرى بمبادرة شبابية تبنتها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وهي مرتبطة بإحياء ذكرى سبعينية النكبة، بحيث تتركز بشكل تصاعدي في أيام الجمعة ابتداء من ذكرى يوم الأرض في 30/3/2018 وصولاً إلى ذكرى النكبة في 15/5/2018. وهذه الفكرة ليست جديدة، فهي امتداد لفعاليات المقاومة الشعبية الفلسطينية في السنوات الأخيرة وخصوصاً في مناطق 48، وسبق تجربتها في آذار/ مارس 2011، يوم خرج مئات الآلاف من الفلسطينيين في كافة مناطق اللجوء الفلسطيني تجاه فلسطين المحتلة، وحققت آنذاك نجاحاً رمزياً تمثل في تمكن مئات اللاجئين الفلسطينيين في سورية من تجاوز الحدود في مجدل شمس بهضبة الجولان؛ الأمر الذي شكل بارقة أمل، ودافعاً لتحقيق العودة يوماً ما إلى ديارهم التي هُجروا منها سنة 1948، إضافة إلى المسيرة العالمية إلى القدس سنة 2012.
يرى أحمد أبو ارتيمة، أنه اجتمعت الظروف باتجاه إنضاج الوعي الشعبي بأهمية مسيرات العودة بوصفها سلاحاً استراتيجياً شعبياً سلمياً، لتنفيذ حق العودة فعلاً؛ الحق الإنساني الذي نصّ عليه قانون الأمم المتحدة 194. وفكرة هذه المسيرة تقوم على توجه حشود كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين إلى أقرب نقطة من وطنهم الذي هجروا منه قسراً قبل سبعين عاماً، والاعتصام السلمي هناك بمشاركة العائلات؛ برجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها، وإرسال رسالة قوية إلى دولة الاحتلال بأن هذا الشعب لم ينسَ حقه في وطنه، وإرسال رسالة قوية إلى العالم بأن عليه أن ينحاز إلى القرار الدولي 194، وأن يقف بجوار اللاجئين الفلسطينيين في تنفيذهم هذا القرار بطريقة سلمية بالعودة إلى ديارهم . مبيناً أنها فكرة شعبية، تحولت إلى تيار، فهي ملك كل مكونات الشعب الفلسطيني وليست خاصةً بمجموعة أو فصيل، هي محل الإجماع الوطني، والكل مطالب بالمشاركة فيها سواءً أفراداً أو فصائل أو اتحادات ونقابات، الكل سيشارك في هذه المسيرة تحت علم فلسطين وحده وتحت راية تحمل قرار رقم 194، قوة هذه الفكرة في انتشارها العفوي في مختلف الأوساط الشعبية، وفي توحد كل الفلسطينيين وحشدهم لها .

فيما أكّد خالد البطش، منسق القوى الوطنية والإسلامية في قطاع، ورئيس الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار بغزة، على التواجد المدني على خط الهدنة على بعد 700م ضمن مخيم اعتصامٍ سلميٍ مفتوحٍ، وأنه لن يكون هناك قرار بقص السلك الفاصل واجتيازه في 30 آذار/ مارس. موضحاً أن مسيرة العودة بداية مشروع كبير لتحقيق حق العودة بعد تخلي المجتمع الدولي، مشيراً إلى هدف استراتيجي وآخر تكتيكي، فالهدف الاستراتيجي يتمثل بحق العودة، فيما يكمن الهدف التكتيكي بكسر الحصار والتصدي لقرار دونالد ترامب Donald Trump وتصفية القضية الفلسطينية وقضية اللاجئين. مضيفاً أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، وتحتاج لترتيب وإعداد وتنظيم بقيادة شعبية، لافتاً إلى تشكيل الهيئة الوطنية لمسيرة العودة وكسر الحصار، والتي تضم 20 شريحة من المجتمع، من بينها الفصائل والقوى، وفيها 13 لجنة فرعية مختصة .

أولاً: في التعريف:

عرّفت اللجنة التنسيقية الدولية لمسيرة العودة الكبرى، مسيرة العودة، بأنها:

عملٌ جماهيريٌ منظمٌ، يستند إلى ركائز قانونية شرعية راسخة، ومنطلقات إنسانية واضحة، تنطلق بها جموع اللاجئين في مسيرات سلمية حاشدة، بهدف تطبيق الفقرة رقم 11 من القرار الأممي رقم 194، وتحقيق عودة اللاجئين الذين هُجروا في عام 1948 إلى أرضهم وديارهم وممتلكاتهم، متسلحين بإيمانهم الراسخ بأنه لا يضيع حق وراءه مُطالب، وأن الحقوق لا تضيع بالتقادم، ومستندين لشرعية القرار الأممي وحقهم بتطبيقه بوصفهم لاجئين مسجلين رسمياً في المؤسسة الدولية .
بدورها، ترى عضو اللجنة التنسيقية الدولية لمسيرة العودة الكبرى ريهام يوسف: "أن مسيرة العودة هي مسيرة سلمية، تهدف إلى العودة ولا شيء غير العودة، أي عودة الفلسطينيين اللاجئين الذين هجروا منذ سنة 1948، من مختلف الدول إلى الأراضي الفلسطينية" . في حين يرى محمد المدهون أنها مشروع وطني طموح ويشكل حالة إجماع فلسطيني غير معهود منذ مدة، ولكنه كذلك يعيش تحديات صعبة في مستوى قدرته على التأثير لصالح الحق الفلسطيني . وخلص معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية إلى أنها تمثلُ رداً شعبياً فلسطينياً على "صفقة القرن"، وقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلان مدينة القدس عاصمةً للاحتلال، وذلك كخطوة عملية لمواجهة مسلسل تصفية القضية الفلسطينية التي تتسارع في ظلّ تواطؤ دولي، وأنها قد تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، على اعتبار أنها تظاهرة تتقاطع معها رؤى جميع القوى الوطنية والإسلامية والشعبية واللجان من مختلف المشارب السياسية والفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار . ويصفها هاني حبيب بالقول: إن مسيرة العودة هي رسالة سلام حقيقية للعالم أجمع، وهي ترتكز على القرارات الدولية، ولهذا، فإن هذه المسيرة ليست معنية بأي تجاذبات سياسية حول قضايا تتعلق بالتطورات الحاصلة على الساحة الفلسطينية. وهي تود أن ترسل رسالة للرأي العام العالمي، ولإدارة ترامب كما لحكومة بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu، ومن خلال التمسك بحق العودة، بأن الشعب الفلسطيني لن يرضخ لإدارة قوى الظلم والاحتلال . ويعرفها منصور أبو كريم بأنها: فعل وطني شعبي، وهي دعوة لخروج الجماهير الفلسطينية في يوم الأرض، يمكن أن تحقق الكثير من الإنجازات في حال الإعداد الجيد لها، واستثمارها على الوجه المطلوب، وهو أمرٌ بحاجة إلى تفعيل القوى ومكونات المجتمع المدني في التحشيد وكافة أشكال الدعم، وتوزيع الأدوار بما يعزز فرص نجاح المسيرة ويحد من المخاطر التي تهددها .

ثانياً: في المبادئ العامة:

حددت اللجنة التنسيقية الدولية لمسيرة العودة الكبرى المبادئ العامة التالية :
1. هي أسلوب نضالي مستدام ومتراكم، وليست فعاليةً موسميةً أو حدثاً ليوم واحد ينتهي بغروب شمسه، ولن تنتهي إلا بتحقيق العودة الفعلية للاجئين الفلسطينيين، بل قد يتواصل الاعتصام أسابيع أو شهوراً.
2. هي مسيرة وطنية يلتقي فيها الفلسطينيون بمختلف أعمارهم، ومكوناتهم السياسية والاجتماعية، والمناصرين لهم من أحرار العالم، على القضية الجامعة المتمثلة في عودة اللاجئين وتعويضهم، باعتبار ذلك محل إجماع وطني.

3. هي مسيرة حقوقية تنادي بحق إنساني، يتمثل في حق عودة اللاجئين، لذلك فإن عدم إنجاز حق العودة هو مبرر لمواصلة المسيرة مهما بلغ مداها الزمني، ولا علاقة لها بأي صفقات أو عروض سياسية من أي جهة.
4. هي مسيرة قانونية تستند إلى القوانين الدولية، وأبرزها قانون رقم 194 الصادر عن الأمم المتحدة، والذي يدعو صراحةً إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين في أقرب وقت إلى قراهم وبلداتهم التي هُجروا منها وتعويضهم.
5. هي تشمل مختلف أماكن تواجد اللاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس ومناطق 48 ولبنان وسورية والأردن وغيرها من دول العالم، وتهدف إلى اعتصام اللاجئين سلمياً في أقرب نقطة من بيوتهم التي هجروا منها قسراً.
6. يشارك في المسيرة كلُّ مكونات المجتمع المدني الفلسطيني، وكل القوى السياسية التي تؤمن بالمقاومة الشعبية السلمية طريقةً ناجعةً تسهم في تحقيق السلام والعدل المبني على إعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق العودة.

7. هي مسيرة سلمية من منبتها إلى منتهاها بشكل كامل، وتعتمد أسلوب الاعتصام المفتوح والتقدم المتدرج، ونصب الخيام، وإقامة حياة طبيعية بالقرب من السلك الفاصل مع أراضي وبيوت وديار الفلسطينيين التي تمّ تهجيرهم منها قسراً سنة 1948، وتحرص على دعوة وسائل الإعلام الدولية للتغطية الإعلامية لإيصال رسالتها إلى كل العالم، وكذلك تحرص على مشاركة المنظمات الدولية والحقوقية للرقابة والاطمئنان على سلمية المسيرة.

8. يحرص القائمون على المسيرة على نشر ثقافة المقاومة الشعبية، وعلى الطابع السلمي للمسيرة ولكل الفعاليات المرافقة لها، سواءً داخل فلسطين أم خارجها، ويؤكدون أنها شكل نضالي جديد مختلف عن المواجهات وإلقاء الحجارة، ولضمان عدم انحراف المسيرة عن رسالتها، وللحيلولة دون تقديم الذرائع لإفشالها، فإنه يحظر على الجهات والأفراد المشاركين فيها القيام بأي أعمال تخالف القانون، وفي قطاع غزة، باعتبارها ساحة مركزية للحراك، فإنه يُفضل أن تبدأ باعتصام قبل الشريط العازل بـ 700م على الأقل منعاً لاشتباك الشبان مع قوات الاحتلال، ثم يكون التقدم تدريجياً وفقاً لتقدير اللجان والهيئات الوطنية المسؤولة، والذي يمكن أن يتم على مراحل لإطالة أمد التحشيد الداخلي والخارجي.

9. الهيئات المشرفة على إدارة المسيرات هي إدارات غير مركزية، تفرزها كل مساحة بالطريقة المناسبة، على أن تنسق الإدارات المختلفة في الساحات المختلفة بالشكل الذي تتوافق عليه ويحقق نجاح الفكرة.
10. يُرفع خلال المسيرة والاعتصام علم فلسطين وحده دون أي شعارات حزبية، بالإضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194، وشعارات إنسانية تشرح عدالة قضية اللاجئين باللغات العربية والإنجليزية والعبرية.
11. اللاجئون هم مسؤولية الأمم المتحدة، لذلك تقع على المؤسسات الحقوقية مهمة مراسلة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية التابعة لها وطلب الإشراف من قبلها على هذه المسيرات، وتوجيه رسائل تحذيرية لدولة الاحتلال بعدم استهدافها.
12. يجب التواصل مع مختلف النشطاء والمؤسسات الداعمة للحقوق الفلسطينية عبر العالم، وإيجاد حالة مساندة عالمية لفكرة مسيرة العودة الكبرى، كما يجب حشد كافة الجهود الإعلامية والسياسية والحقوقية والتضامنية عبر العالم لحماية المسيرة من احتمالات العنف الإسرائيلي.

ويرى أحمد أبو ارتيمة أنّ مسيرة العودة الكبرى هي خيار وطني يجب أن يستمر ويتطور، حيث غدت مكوناً أساسياً في مشهد النضال التاريخي للشعب الفلسطيني، وأثبتت قدرتها على إزعاج الاحتلال واستنزافه. مؤكداً ضرورة عدم السماح بإماتة هذه الفكرة، داعياً إلى البحث في أساليب وأفكار ووسائل المسيرة بما يقلل كلفتها الدموية، ويجعل الاحتلال في حرجٍ واستنفار واستنزاف مستمر، موضحاً أنّ فكرة مسيرة العودة أعادت الحيوية للقضية الفلسطينية، وجذبت التضامن العالمي بأشكاله، مشدداً على ضرورة تعزيز هذا الخيار مع مراجعة بعض الوسائل التي رفعت كلفة الدم العالية، مشيراً إلى أنّ قوة هذا الخيار باستمراريته، والتطلع إلى نتائجه الاستراتيجية وعدم استعجال ثماره .

ثالثاً: عوامل دافعة لمسيرات العودة الكبرى:
يرى أكرم عطا الله أن المسيرة هي فعل وطني شعبي من الممكن أن يحقق الكثير من الإنجازات في حال الإعداد الجيد لها، واستثمارها على الوجه المطلوب، وهو أمرٌ بحاجة إلى تفعيل القوى ومكونات المجتمع المدني في التحشيد وكافة أشكال الدعم، وتوزيع الأدوار بما يعزز فرص نجاح المسيرة، ويحد من المخاطر التي تهدده، وضرورة التركيز على مخاطبة الإعلام الدولي، ودعوته لتغطية فعاليات المسيرة على مدار اللحظة، من خلال بث حي ومباشر لفعالياتها . فيما يؤكد (أسعد أبو شرخ أن أهم عوامل نجاح مسيرات العودة هي إبراز الحشد الشعبي وليس الفصائلي، وأن يكون دور الفصائل في الخلفية وليس في المقدمة، مع ضرورة وضع خطة إعلامية شاملة لمخاطبة العالم بكل اللغات، مشدداً على أهمية أن يتصدر مشهد المقابلات الصحفية في أثناء المسيرة خبراء في جميع لغات العالم، والاهتمام بالمصطلحات التي سيتم تناولها في الاعلام . ويشير إبراهيم حبيب إلى أن هناك تحديات داخلية وخارجية تحدقُ بمسيرة العودة الكبرى وعلى الجميع تداركها والتنبه لها، فعلى صعيد التحديات الداخلية فإن هناك تحدياً كبيراً، وهو تصدر الفصائل للمشهد، الأمر الذي قد تستغله "إسرائيل" للتحريض على المسيرة السلمية، مشيراً إلى أهمية الحفاظ على أن يكون مشهد مسيرة العودة الكبرى مشهداً مجتمعياً خالصاً، الأمر الذي يكسبها زخماً بأبعاد أكثر تعاطفاً على جميع الصُعد، ويمكن من خلال المشهد المجتمعي تحقيق أهداف أكبر مما لو تصدرت الفصائل الفلسطينية المشهد، مع ضرورة حضورها ومشاركتها بشكل فعال في الخلفية، وضرورة استعدادها ليكون لها موقف في حال ارتكب الاحتلال حماقات للمشاركين في المسيرة . بينما يرى عمر شلح أن التحديات الداخلية التي تواجه المسيرة تتمثل في انشغال الطلبة في المدارس، وحلول شهر رمضان المبارك، والتحدي الآخر هو تعدد المشارب السياسية، إذ من الممكن أن تتخلف بعض الفئات عن المشاركة في الربع ساعة الأخيرة بحجة أو بأخرى، مشيراً إلى أن التحديات الإسرائيلية تكمن في محاولة "إسرائيل" التشويش على المسيرة من خلال دسِّ عملاء لها في أوساط المسيرة لتنفيذ أجندتها، مما يحتم مزيداً من اليقظة، وتشكيل لجان مهمتها كشف هذه الحالات والتعامل معها، كما يمكن أن يُقدِّم الاحتلال بعض التسهيلات لغزة في محاولة للتشويش على المسيرة . ويرصد التقدير الاستراتيجي 105، الصادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، مجموعة من العوامل الموضوعية التي يمكن أن تشكل دافعاً لاستمرار مسيرات العودة الكبرى على النحو التالي :
1. استمرار الحصار الصهيوني على قطاع غزة بكافة أشكاله، وازدياد معاناته بسبب مشاركة أطراف فلسطينية وعربية ودولية في محاولات إخضاعه.
2. الانحياز الأمريكي للمشروع الصهيوني، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
3. أن المسيرات هي نقطة توافق بين جموع الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والإسلامية.
4. الانحياز الشعبي العربي والإسلامي، ووجود تأييد شعبي دولي واسع لحق الشعب الفلسطيني بالعودة.
5. فشل مسار التسوية السلمية، واستمرار الحصار على قطاع غزة، واستمرار مشروع التهويد، وتغيير الحقائق على الأرض من قبل الاحتلال الصهيوني.
6. تمتع المسيرات بالشرعية الدولية والإنسانية، وبعدها عن التصنيفات الإرهابية.
7. اندفاع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات، ورغبته في تحقيق حقّ العودة إلى فلسطين الذي كفلتها القرارات الدولية.
8. محدودية الخسائر البشرية للمسيرات مقارنة مع المواجهات المسلحة المفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي.
9. وقوف المسيرات في وجه حالة الاندفاع عند بعض الدول العربية نحو الكيان الصهيوني للتطبيع معه.
10. تشكيل المسيرات سداً مانعاً أمام محاولات اجتثاث المقاومة الفلسطينية.
11. عمل المسيرات على إظهار الوجه الحقيقي للاحتلال الذي يستهدف المتظاهرين من أطفال ونساء وشيوخ بالرصاص الحي القاتل، وتلذذه بالقتل، كما أظهرته الفيديوهات المسربة من جنودهم.

رابعاً: عوامل مثبطة لمسيرات العودة:
يمكن القول هنا أننا باستخدام مفهوم المخالفة، فإن عدم تحقيق العوامل السابقة (الدافعة للمسيرة)، سيحولها إلى عوامل مثبطة للمسيرة، ويجعل منصور أبو كريم من الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام الفلسطيني، أعظم التحديات التي يمكن أن تواجه مسيرات العودة، مبيناً أن تصدر الفصائل للمشهد أمر قد تستغله "إسرائيل" للتحريض على المسيرة السلمية، إضافة لوحدة الشعار السياسي، وتغييب الرايات الحزبية لصالح العلم الفلسطيني، وقدرة الهيئة الوطنية العليا للإشراف على المسيرة من ضبط الأوضاع ومنع الجماهير من الاندفاع نحو الحدود مع "إسرائيل" . فيما يرصد التقدير الاستراتيجي 105 الصادر عن مركز الزيتونة، بعضاً من العوامل التي من الممكن أن تؤثر سلباً على سير مسيرة العودة الكبرى على النحو التالي :
1. الضغط الأمريكي – الإسرائيلي على السلطة الفلسطينية في سبيل وقف كافة أشكال المقاومة.
2. خضوع بعض الدول العربية في المنطقة للرغبات الأمريكية والإسرائيلية، واندفاعها نحو التطبيع، وما قد يترتب عليه من التزامات تؤدي إلى ممارسة الضغط على الشعب الفلسطيني ومقاومته في سبيل وقف مسيرات العودة.
3. التنسيق الأمني الذي بات يشكل طوق نجاة للاحتلال الإسرائيلي خصوصاً في الضفة الغربية؛ إذا اكتسبت قوات الاحتلال "مشروعية" قمع المظاهرات في الضفة الغربية من خلال التنسيق الأمني. كذلك بات التنسيق الأمني يشكل حائط سدّ أمام العمل المقاوم ضدّ الاحتلال الإسرائيلي. وهو ما يظهر السلطة الفلسطينية بدور الشرطي الذي يحمي الاحتلال.
4. ضعف الدعم المادي والإعلامي؛ وهو صمام الاستمرارية لمشروع المقاومة بكافة أشكالها ومنها مسيرات العودة.
يشير الباحث هنا إلى عامل مهم آخر من عوامل إضعاف مسيرات العودة الكبرى، ألا وهو اقتصار أدائها على قطاع غزة دون باقي مناطق اللاجئين الأخرى، وخصوصاً في الضفة الغربية المحتلة، فإن ذلك سيوهن عزائم المشاركين في المسيرات، فأن يتسرب الشعور بأنهم وحدهم في الميدان، ربما سيفقدهم الحماسة للمشاركة في المسيرات يوماً بعض يوم، خصوصاً في ظلّ عدم إحداث تغيير ملموس على أرض الواقع، تحديداً فيما يتعلق بالحياة المعيشية لهم. كما أن الانقسام الذي حدث في الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة بخروج حركة فتح من الفعاليات بعد 15 أيار/ مايو، كان له دور بارز في تقليل حجم المشاركة الشعبية في المسيرات بعد ذلك.

خامساً: في السيناريوهات المتوقعة لمسيرات العودة:
يمكن الإشارة هنا إلى مجموعة من السيناريوهات المتوقعة لسير أحداث مسيرات العودة الكبرى، حيث يقدم التقدير الاستراتيجي 105 الصادر عن مركز الزيتونة، السيناريوهات التالية :
السيناريو الأول: استمرار المسيرات كجزءٍ من المقاومة الشعبية وزيادة زخمها، لتشمل الضفة الغربية والقدس والداخل، وتمكنها من اختراق الحدود في القطاع. إلا أن هناك عاملاً كابحاً بقوة لهذا السيناريو؛ وهو استمرار سلطة رام الله في التنسيق الأمني.
السيناريو الثاني: توقف مسيرات العودة إلى الحدود التي وصلتها في منتصف أيار/ مايو 2018، ثم تراجع زخمها، وتراجع التفاعل الشعبي معها، مع مرور الزمن دون تحقيق إنجازات تلهب حماس الجمهور، أو دون تصاعد التفاعل في الضفة الغربية أو في فلسطين المحتلة سنة 1948، مما قد يعيد الأوضاع المحتقنة وحالات الإحباط واحتمالات الانفجار في مختلف الاتجاهات إلى سابق عهدها.
السيناريو الثالث: النجاح الجزئي، وذلك بالوصول إلى توافق، ولو ضمناً، يؤدي إلى تخفيف الحصار عن قطاع غزة مقابل وقف المسيرات، ويمكن تحقق هذا الخيار إذا ما نجحت المسيرات في الضغط على الكيان الصهيوني، وأصبح بالإمكان قطف ثمار سياسية واقتصادية للشعب الفلسطيني.
فيما يشرح ناجي شراب تصوراته حول مستقبل مسيرات العودة وفق خيارات ثلاثة كما يلي :
التصور الأول: استمرارية المسيرة حتى تحقق هدفها المعلن وهو العودة النهائية، هذا السيناريو مستبعد لعدم توفر البيئة الداخلية والإقليمية والدولية، فهذه العودة تبقى في التخيل السياسي والضمير الجمعي، وترتبط بديمومة الصراع ووجوديته، مع استحالة استمرار المسيرة لوقت غير معلوم، لأن من شأن ذلك الولوج في سيناريوهات غير متوقعة، أو قد تخرج عن السياق المرسوم للمسيرة، وخصوصاً أنه في مثل هذه الفعاليات الشعبية العارمة من الصعوبة بمكان تطبيق الحسابات الرياضية الرقمية الدقيقة والمتحكم فيها.
التصور الثاني: انتهاء المسيرة بسبب افتعال حادث هنا أو هناك، وخصوصاً من قِبل "إسرائيل" يقود إلى مواجهة عسكرية، تعيدنا لسيناريوهات الحرب في العلاقة مع غزة، وهذا السيناريو احتمالاته كبيرة لأسباب، منها تزايد عدد الشهداء بشكل كبير، أو اغتيال شخصية قيادية، أو إطلاق بعض الأعمال العسكرية، أو القيام بعملية كبيرة داخل "إسرائيل" تحت تأثير تطورات المسيرة، والأهم من ذلك أن تبادر "إسرائيل" لخيار الحرب لإنهاء المسيرة، والتحكم في مسار الأحداث والتطورات في غزة، واستبدال حالة المسيرة التي لا تعمل لصالح "إسرائيل"، ويمكن أن توجِد حالة سياسية إقليمية ودولية ضاغطة عليها، تفقدها السيطرة، وتجبرها على دفع ثمن سياسي للمسيرة أكبر مما تتوقع. فالأنشطة السياسية السلمية لا تعمل لصالح "إسرائيل"، وعليه فالاحتمال الأكبر العمل على تحولها لخيار عسكري، وهذا السيناريو ليس صعباً على "إسرائيل" باستهداف متزايد لأهداف استراتيجية لحركة حماس كمواقع التدريب والأنفاق.
التصور الثالث: البحث عن مخرج سياسي لمسيرة العودة، واحتمالاته كبيرة، وقد يكون الأقرب لحركة حماس، وتجنبها لحرب لا يمكن التحكم في نتائجها، بل قد تكون نتائجها عكسية، وتفرض على حماس واقعاً سياسياً وثمناً سياسياً أكبر؛ مضمون هذا السيناريو الوصول إلى صيغة تفاهم شاملة تضمن ليس فقط وقف هذه المسيرات، بل تشمل أيضاً صفقة تبادل للأسرى مع "إسرائيل"، وصولاً لحالة من الهدنة شبه الدائمة، ورفع الحصار، وفتح المعابر، والتفكير جدياً في بناء ميناء بحري أممي تشرف عليه أمنياً "إسرائيل" والاتحاد الأوروبي، وفي مرحلة متقدمة إنشاء مطار أممي، هذا السيناريو قد يكون في إطار الرؤية السياسية المستقبلية لغزة، لتكون نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية.
سادساً: في تحليل مسيرات العودة الكبرى:
مع التأكيد على صعوبة الحديث عن مسيرات العودة الكبرى بوصفها ظاهرة سياسية أو اجتماعية، وبالعودة إلى أدوات تحليل المقاومة الشعبية المذكورة آنفاً، فإنه يمكن الإشارة في تحليل مسيرات العودة الكبرى إلى ما يلي:
1. مشاركة الأحزاب السياسية والفصائل:
لوحظ بشكل كبير مشاركة الكثير من القادة السياسيين في المسيرات منذ اليوم الأول لانطلاقها، خصوصاً قيادات حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، كما كانت المشاركة مرتفعة في صفوف الكوادر والمؤيدين، وهو ما أعطى المسيرات زخماً شديداً في أيامها الأولى .
ربما ينظر المحللون إلى هذا الجانب من زاويتين متناقضتين، فمن جهة، فإن مشاركة القيادات السياسية في فعاليات المقاومة الشعبية، يوحي بحالة من الاندماج بين القيادة والشعب في هذا الإطار، كما يمنح المشاركين شعوراً بالاطمئنان؛ فهم والقادة في مربع واحد في مواجهة الاحتلال، إضافة إلى ما تحمله هذه المشاركة من إشارات واضحة إلى شيء من التحول في الفكر السياسي للفصائل والحركات المشاركة بتبنيها خيار المقاومة الشعبية، بعد أن كان خياراً لا يمكن التعاطي معه من قبل، خصوصاً في حالة حركتي حماس والجهاد الإسلامي. وأما الزاوية الأخرى، فتتمثل في أن مشاركة القيادات السياسية للفصائل ربما تحرف المسيرات عن طابعها السلمي، وتعطي الذريعة للاحتلال لتجريم المشاركين في المسيرات، على اعتبار أن العديد من القيادات السياسية وخصوصاً في حماس مصنفون على قوائم "الإرهاب"، إضافة إلى الخشية من أن تفقد المسيرات حالتها الشعبية لتتحول إلى حزبية فصائلية بمرور الوقت.
لكن من جانب آخر، يمكن فهم هذه المشاركة الواسعة من فئات الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بأنها حضور ملحوظ للحاضنة الشعبية والاجتماعية للمقاومة بشكل عام، وهو ما كانت تسعى إليه بعض الفصائل الفلسطينية في الآونة الأخيرة.


2. مشاركة المجتمع المحلي:

ليس هناك ما يفيد بعدم مشاركة مؤسسات المجتمع المحلي في مسيرات العودة، فقد لوحظ مشاركة فئات متنوعة من المواطنين الفلسطينيين في كافة أماكن تجمعات أو مخيمات مسيرات العودة على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، من شخصيات وطنية وأكاديمية ودينية ووجهاء ومخاتير وتجار وغير ذلك من الفئات، وهو ما يوحي بمشاركة عالية للمجتمع المحلي على المستوى الفردي دون الإشارة إلى مرجعيات مؤسسية، وربما يُعزى ذلك إلى طلب الجهات المنظمة بأن تكون المشاركة شعبية خالصة دون أيّ إشارات سياسية أو حزبية أو غير ذلك.
3. مشاركة المجتمع الدولي:

ليس هناك حضور واضح لما يسمى بــ"المتضامنين الأجانب" في مسيرات العودة في قطاع غزة، وهناك تواجد ضعيف للإعلام الأجنبي، الذي حضر لنقل الصورة لا للتضامن مع المشاركين، وربما يُعزى ذلك إلى القيود التي تفرضها "إسرائيل" على المتضامنين الذين يحاولون دخول غزة بين الفينة والأخرى.
4. اهتمام الإعلام العالمي:
ما زالت مسيرات العودة غير قادرة على اختراق الرواية الصهيونية في الإعلام الغربي، فقد ذكرت صحيفة فلسطين الغزية كيف تناولت الصحف الغربية مسيرة العودة السلمية، وأن أغلبها يتبنى الرواية الصهيونية جملة وتفصيلاً، مثل صحيفة النيويورك تايمز The New York Times وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) British Broadcasting Corporation (BBC)، وهي معاقل الليبرالية الغربية الإعلامية، اختارت مصطلحات وكلمات غير دقيقة لوصف ما حدث بالفعل، وتجنبت في أسلوب تغطيتها إظهار الاعتداءات الإسرائيلية على المسيرات، التي وصفتها بالمواجهات التي اندلعت بعد قيام الفلسطينيين برمي الحجارة ومحاولة اجتياز الحدود، وترجيح كفّة التغطية لصالح الرواية الإسرائيلية، ووصفت صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية على سبيل المثال، ما جرى يوم الجمعة 6/4/2018 بالصدام/المواجهة، وفي أخبار لاحقة بـ"اشتعال الحدود" و"جمعة العنف"، دون الإشارة إلى أن العنف الذي استعمل كان لقمع المسيرة السلمية، موهمة القارئ أن العنف من الطرفين، وادّعت الصحيفة أن العنف اندلع بسبب قيام مجموعات فلسطينية صغيرة باستعمال العنف عند الحدود في أثناء المسيرة، مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى الرد، وهو متناسق تماماً مع الادعاء الإسرائيلي، دون الإشارة إلى أن قادة إسرائيليين صرّحوا أكثر من مرة قبل المسيرة وهددوا باستعمال القوة لقمع المسيرة. بينما تساءلت بي بي سي عن أحداث ذلك اليوم، "ما الذي حصل عند حدود غزة إسرائيل؟"، وأجابت "مواجهات خلّفت 16 قتيلاً فلسطينياً ومئات الجرحى"، وكان السطر الأول في الإجابة نقلاً عن ادّعاءات الجيش الإسرائيلي، التي أخذت معظم المساحة المخصصة للإجابة عن هذا التساؤل، وغاب أيُّ تصريح أو مقابلة لشخصية فلسطينية للإجابة حول ما حصل، واكتفت بي بي سي في تغطيتها هذه بنقل تصريحات عن حماس دون نقل أي صوت من المنظمين أو المشاركين في المسيرة. وذكرت صحف أخرى أن هؤلاء يدعون ويزعمون بأن لهم أرضاً في "إسرائيل"، وأضافت بأن هذا الخروج بسبب الحصار وليس لأي رجوع، ويلقون اللوم فقط على رئيس السلطة محمود عباس والسلطة كسبب لهذا الحصار وليس "إسرائيل" .
هنا يمكن القول بأن نظرة الإعلام العالمي لم تتغير إزاء مسيرات العودة، وبقيت تحافظ على الصورة التي كانت عليها في كافة مراحل المقاومة الشعبية الفلسطينية في السنوات العشر الأخيرة على أقل تقدير، وهي كما يشير إليها عبد الرحمن التميمي بأن الإعلام العالمي لا يعد المقاومة الشعبية جزءاً من نضال تحرري، بل هو إحداث احتجاجات على سياسات معينة، كما إنه يرتكز على أحداث تعكس كثيراً من القضايا ذات طابع حقوق الإنسان، ولا يرتكز على البعد السياسي للحدث، والأخطر هو أن يتم تصوير المقاومة الشعبية على أنها حركات احتجاج كما هو في العالم العربي إبّان الربيع العربي، أو هو صراع بين مدنيين فلسطينيين ومستوطنين، وتصوير الجيش الإسرائيلي كطرف محايد يفصل في هذا الصراع المدني .

5. الجانب القيمي:
لوحظ توجه القيادات السياسية والأحزاب والفصائل للجمهور الفلسطيني في محاولة منها لإقناعه بالمشاركة في المسيرات، وهذا بحد ذاته يوحي بعلم تلك الأحزاب والفصائل أهمية الحا
عدد مرات القراءة:266

ارسل هذا الخبر
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر

يرحب الموقع بآراء الزوار وتعليقاتهم حول هذه المادة تحديداً، دون الخروج عن موضوع المادة، كما نرجو منكم عدم استعمال ألفاظ خارجة عن حدود اللياقة حتي يتم نشر التعليق، وننوه أن التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع.
الاسم:

التعليق: