بقلم/ عبد الحليم سيف بقلم/ عبد الحليم سيف


يمكن القول بدون مبالغة أن أثيوبيا الجديدة، تقف في هذه اللحظات، وفي توقيتٍ حسّاس، على خلفيات تطورات" أزمة سد النهضة " بعد اعلان مصر تمسكها باتفاق ملزم، وتخلي السودان عن النهج السابق في المفاوضات،وتصاعد القتال بين جبهة تحرير شعب إقليم التيجراي ( شمالي البلاد) والحكومة الاتحادية في أديس أبابا، على مفترق الطرق ، أو بصورة أكثر دقة بداية لفتح جرح غائر ونازف في الجسد الأسمر المثخن بالأزمات والآلام، قد يجعله مجددا يسقط رهينة لصراع عرقي إثني مرير ومعقد، لربما يمتد إلى أقاليم أثيوبية أخرى، خاصة تلك التي لها ثأر قديم مع التيجراي.. وهي : الأوروميا والأمهرة تحديدا(!!)

في ضوء ذلك، اتسعت دائرة المخاوف في عواصم إقليمية وعالمية، وصولا اليوم إلى مجلس الأمن الدولي ، من تجاوز الصراع حدود الإقليم المشتعل، ليمتد إلى السودان وأريتريا ، وسط تواتر أنباء تتحدث عن احتدام ضراوة المعارك بمختلف الأسلحة الثقيلة، وسيطرة الجيش الأثيوبي على 60 في المئة من أراضي الإقليم، وباتت العاصمة بيكيلي ، محاصرة بمدفعيته وطيرانه الحربي، تمهيدا لاقتحامها، بعد رفض زعماء الإقليم مهلة 72ساعة ، أعطاها رئيس الحكومة الفيدرالية أبي أحمد، لقادة الإقليم تسليم أسلحتهم وإنهاء التمرد، والاحتكام للدستور والقانون . مسلحو جبهة التحرير، ردوا يوم الإثنين على تلك المهلة بتدمير مطار مدينة أكسوم. ونقلت رويترز عن رئيس الجبهة وحاكم إقليم التيجراي دبرصيون جبراميكائيل، توعده بتوجيه ضربات موجعة للجيش الأثيوبي، والمضي قدما للدفاع عن الإقليم المستهدف من قبل الحكومة الفيدرالية، التي انتهت شرعيتها في أكتوبر الماضي حد وصفه.
****
وثمة أسباب كثيرة، تدعو للخشية من توسع رقعة الحرب، منها أن الجانبين - على مايبدو - احتكما للخيار العسكري، بعد فشل كل الجهود الرامية من قبل الحكومة الفيدرالية ، لحل الخلاف الناشب بين الطرفين على خلفيات انتخابات سبتمبر الماضي (!?) فأبي أحمد يسعى من خلال استمرار الحملة العسكرية - تدخل اليوم أسبوعها الثالث - لإخضاع الإقليم المتمرد للحكومة الاتحادية، والإطاحة بقيادة جبهة تحرير التيجراي ، التي باتت تهدد برنامجه الديمقراطي والتنموي..، وفي المقابل يقاتل زعماء" الجبهة " لاستعادة المكاسب المالية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، التي تحققت لها طوال ثلاثة عقود ، والتمسك بقيادتها للمنطقة العسكرية الشمالية التي تضم نحو 50في المئة من العتاد العسكري للجيش الأثيوبي( !?).

ولم تقف آثار المعارك الدامية بين المتناحرين عند التطورات السابقة، فقد تدهورت الأوضاع الإجتماعية بصورة مخيفة، منذ بدء القتال في الرابع من نوفمبر الحالي، وكان ضحايا النزاع الداخلي، هم المدنيون ،الذين ليس لهم فيها ناقلة ولاجمل..عشرات القتلي والجرحى سقطوا بسلاح الإخوة الأعداء . في هذا السياق ، المنظمة السامية لشؤون اللاجئين ، في أحدث تقرير لها ( أمس الإثنين ) أعربت مجددا عن قلقها إزاء ارتفاع عدد الفارين من جحيم الحرب..فقد وصل الرقم إلى ( 37) ألفا من سكان إقليم التيجراي، غالبيتهم من الأطفال والنساء،حطوا رحالهم المشتتة والمغبرة فى إقليمى كسلا والقضارف السودانيين .في ظروف قاسية ومأساوية، -تنقل صورهم كاميرات الفضائيات العربية والدولية- و في هذه الأثناء حذرت المنظمة من حدوث مأساة كبرى، بدت ملامحها خلال الأيام الماضية ،وتتوقع ارتفاع عدد الفارين من الإقليم الأثيوبي إلى 200 ألف لاجيء، خلال الستة الأشهر القادمة، ما جعل الحكومة السودانية، تدعم قواتها على الحدود مع الإقليم تحسبا لأية احتمالات غير سارة. ****
وفي ملمح آخر على نقل المعارك خارج إقليم التيجراي ، هاجمت قوات "الجبهة" مطار إقليم الأورومو غرب البلاد ،، بعد أسبوع من مقتل نحو 34 مواطنا على الأقل في هجوم على حافلة ركاب، في منطقة بني شنقول-قمز بحسب تصريحات دانييل بيكلى رئيس لجنة حقوق الإنسان في أديس أبابا .

وما يعزز المخاوف السابقة من امتداد الحرب إلى أريتريا ، قيام جبهة التيجراي بمهاجمة المنطقة القريبة من مطار اسمرة بصواريخ بعيدة المدى، وقد تبنى رئيس الحكومة المحلية ـ في تصريحاته لوكالة الصحافة الفرنسية( الإثنين قبل الماضي) ذالك الهجوم الصاروخي ، متهما "القوات الإثيوبية بإستخدام مطار أسمرة" في عمليتها العسكرية ضد منطقته، ما يجعل المطار "هدفا مشروعا" على حد تعبيره للضربات ، وهو أمر نفته حكومة أديس أبابا غير مرة . محللون اعتبروا هذا الهجوم بمثابة محاولة لتوريط أريتريا في النزاع ..وتحويله إلى نزاع إقليمي لاجتذاب تدخل خارجي..لكن الردود.جاءت معاكسة ..فقد أدان نائب وزير الخارجية الأمريكية هذا الهجوم.. في حين مايزال الاتحاد الأفريقي في موقف الصمت للدخول في وساطة لإنهاء القتال في الإقليم الشمالي، باعتباره نزاعا داخليا .. !! ****

ما الذي يجري في أثيوبيا بالضبط ?، ولماذا اندلع هذا الصراع الدامي بين الحكومة الفيدرالية وبين إقليم التيجراي الشمالي على النحو الذي تنقله التقارير الصحفية المتاحة والمحدودة ?

لو عدنا فليلا إلى الوراء ، من بوابة" الفلاش باك" للوقوف على جذور وأبعاد الأزمة المتفجرة حاليا في إقليم التيجراي ،لرأينا أن ماحدث منذ بدء الحملة العسكرية في الرابع من نوفمبر الحالي ، التي جاءت إثر هجوم جبهة تحرير التيجراي على المنطقة العسكرية الشمالية، وهي الأكبر والأضخم من بقية المناطق الثلاث ..لم يكن في الواقع محض الصدفة..، وليس من نافذة تحدي حكومة إقليم التيجراي للحكومة الفيدرالية، لإجراء الانتخابات بشكل منفرد في سبتمبر الماضي، عقب قرار الأخيرة تأجيل الإنتخابات بسبب جائحة كورونا، حيث التزمت كافة الأقاليم بذلك عدا حكومة بيكيلي ، وهو حدث استفز حكومة أبي أحمد، ووصفته بتجاوز" الخط الأحمر"، فما كان منها إلا أن اتخذت العديد من الإجراءات الدستورية، منها قرار البرلمان الأثيوبي بعدم شرعية انتخابات إقليم التجيراي.. وأن الحكومة المنبثقة عنها لا أساس قانوني لها، فقطعت علاقة المركز مع السلطة التنفيذية والتشريعية في الإقليم..ومن ثم عزله ومحاصرته وقطع الاتصالات عنه..وفي خطوة لاحقة، أتخذ النائب العام في أديس أبابا قرارا بوقف 32 مؤسسة مالية للتيجراي..يضاف إلى ما سبق من إجراءات اقتصادية ومالية، تمثلت بقيام البنك المركزي الأثيوبي باستبدال العملة الجديدة بالقديمة، وبأرقام معينة ، ليتحول أغلب ما اختزنته" الجبهة" من أموال، مجرد سراب، وفقا لتقرير مراسل الجزيرة في أثيوبيا الأسبوع المنصرم.
****

على أنه بوسعنا أن نجد عدة عوامل أخرى تجمعت..وتناسلت..، وتراكمت في "رحم أزمة أثيوبيا المستديمة "..وبقيت كقنابل موقتة ..كانت تنفجر بين فترة وأخرى على مدى ثلاثة عقود ،وعلى وجه التحديد منذ 21 مايو 1991م، يومذاك أعلن عن الإطاحة بالجنرال منجستو هيلا مريام ، بدعم أمريكي؛ للتخلص من نظام اشتراكي ، اعتبرته واشنطن تابعا لموسكو، وبعد أن.استتب الحكم.في أديس أبابا ، تكوّن ائتلاف الجبهة الديمقراطية لتحرير شعوب أثيوبيا ( ضمت أربع جبهات من التيجراي والأورمو وشنقول) ، وكان لجبهة التيجراي اليد الطولى في كل شىء، بقيادة مليس زيناوي- الطالب في سنة ثالثة بكلية الصيدلة ورئيس اتحاد الطلبة بجامعة أديس أبابا ، الذي أصبح رئيسا للوزراء (من اغسطس 1995 حتى وفاته بالسرطان في أغسطس 2016)..، وبالرغم من أنه جاء بنظام فيدرالي بتقسيم البلد - يتكون من 80 قبيلة وعرقية وإثنية لكل واحدة منها تقاليدها ولغتها - إلى ولايات وتسعة أقاليم .. بيد أن الجبهة فشلت في التوصل إلى صيغة للتعايش القائم على المصالح الوطنية والمشاركة في صناعة القرار، وإدارة كل مفاصل الدولة، وبدلا من ذلك أمسكت "الجبهة الشعبية " بكل خيوط أجهزة الحكم، وشددت قبضتها الحديدية على كافة المؤسسات المدنية و العسكرية والأمنية والاستخباراتية، بعد نهجها لكل أشكال الإقصاء والتنكيل بالخصوم، وتسريح أفراد الجيش الأثيوبي، وطهرت الأجهزة من القيادات العسكرية والسياسية المنتمية لعرقية الأمهرة - تشكل نحو 26 في المئة من سكان أثيوبيا - وفي السنوات الأخيرة ، تم تهميش عرقية الأوروميا، وهي الأكبر تعددا - 46 في المئة من سكان البلاد، وكان أن اختزلت" الجبهة" أثيوبيا بسكانها 110مليون نسمة- وفقا لتعداد 2017- بعرقية التيجراي التي تمثل 6 في المئة من السكان . فصارت أثيوبيا تعيش في أوضاع داخلية مضطربة، وخارجية غير مستقرة مع دول القرن الأفريقي.

مثل هذا الخط السياسي والعسكري ، الذي عبرت عنه جبهة تحرير التيجراي في إقحام الجيش الأثيوبي في حرب مع حليفها السابق الأريتري سياسي أفورقي، في اقتتال طاحن امتد بين عامي 2000---1998م في إطار الصراع المحتدم على مثلث بادمي ..فقد استطاع قادة" الجبهة " أن يحصنوا إقليم التيجراى بالقواعد العسكرية وأعداد المقاتلين.. تحسبا لعودة الحرب من جديد مع أريتريا. وكانت النتيجة أن أصبح هذا الإقليم مركزا مهما لكافة الأسلحة والمعدات للجيش الإثيوبى..وأكثر غناء وثراء..فلديه جيش قوامه اليوم نحو 250 ألف فرد، وفقا لتقرير نشرته صحيفة الشروق المصرية قبل أيام..!! ****

وعودة إلى ما بدأناه ، يمكن القول أن خلفيات الصراع الحالي، تعود إلى أبريل 2018م..في ذاك العام شهدت البلاد انتخابات جديدة ، نجم عنها بروز ائتلاف برلمان أثيوبي اتحادي جديد بأغلبية أورومية - أمهرية ، انتخب الدكتور أبي أحمد رئيسا للحكومة ..وهو القادم من عرقية الأوروميا.. فعمل على إعادة بناء نظام سياسي وهوية الدولة ..ووضع حدا لهيمنة أقلية التيجراي على مفاصل الحكم والدولة..،حيث حظي برنامجه الإصلاحي بتأييد السواد الأعظم من الشعب الإثيوبي باستثناء جبهة تحرير التيجراي .. التي رأت فيه، كما لو أنه إزاحة لها ولمراكز القوى من الجيش، واعتقالهم ومحاسبتهم بتهمة الفساد الباذخ ، وهذه المواقف باختصار ،هي التي أدت إلى بدء اندفاع الصراع السياسي نحو الشكل العدائي.. ليتفجر على النحو الذي شهدته الأسابيع الماضية.

بعد العرض السابق لملامح جذور الأزمة الداخلية ، يبقي من الصعب التنبوء سلفا بماقد تنتهي إليه معارك إقليم التيجراي الشمالي..أو كيف ومتى ..لكن الأمل أن تتوقف بسرعة، قبل أن تتحول إلى وقود لحرب تعصف بمستقبل أثيوبيا الجديدة بخاصة.. والقرن الأفريقي بعامة ..وذلك ما لا نتمناه .

حول الموقع

سام برس