بقلم/ جميل مفرح
وأنا أتأمل منهج اللغة العربية للصف الثالث الثانوي، خصوصاً في كتابي النحو والأدب والنصوص والنقد، وجدت محتوى غنياً بالمعارف والتنوع، يساعد بالفعل على تمتين ثقافة وقدرات الطلاب، ولا عيب في ذلك، بل على العكس يحسب لواضعي المنهج ذلك التنوع.. ولكن هناك ملاحظة مهمة وهي كثافة واتساع المقررات في الأحوال والأوضاع الطبيعية، التي يتوفر فيها الانضباط المدرسي من جهتي الطلبة والمعلمين وتوفر الكتب، فما بالنا بما نعيشه اليوم من تفلت وإهمال، وما يواجهه الطلبة من حرمان وافتقاد كبيرين يؤسف لهما في التعلم وأدواته ووسائله الأساسية..!!
خصوصاً حين ندرك أن ما يصل نسبته إلى ٧٠% من المدارس في صنعاء وحدها لا يتوفر فيها معلمون، وأصبح الطلبة فيها وكأنهم بنظام المنازل أو الحالات الخاصة وليسوا منتظمين، لأن لا شيء في حال هذه المدارس يدل على الانتظام، ولم يعد يتوفر فيها ما يمكن أن يساعد الطلبة على اكتساب المعرفة..!! هذا في مدارس صنعاء فما بالنا بالمدارس في المحافظات الأخرى والمناطق النائية..!!
وأنا أراجع مع ابني وبنتي محتوى المنهج وبالذات في مادة اللغة العربية، فشعرت بوجع وأسف كبيرين، لأسباب عدة، ولوجود مشكلات كبيرة وعديدة، منها أنهما وزملاءهما في ذات المرحلة، يواجهون صعوبات في استيعاب المحتوى، لانعدام وجود المعلم والمعلمة المتخصصين، اللذين بإمكانهما إيصال أفكار ذلك المحتوى الكبير في المقرر طوال الفترة المحددة لتلقيه والمتمثلة في الفصلين الدراسيين، إيصالاً مناسباً ومتوائماً مع القياس الزمني والترتيبي بما يساعد على تحقيق الأهداف المرجوة..
وشعرت بغصة وأنا أجزم أن من حق أبنائنا جميعاً، ليس أن يدرسوا وينجحوا وحسب، بل وأن ينتفعوا من ذلك المحتوى الغني انتفاعاً ليس لحظياً لتجاوز الامتحانات، وإنما انتفاعاً مستقبلياً سمته الدوام.. والأكثر بعثاً للأسف والندم أن أكثر من ٩٠% من الطلبة والطالبات وأولياء أمورهم لم يعودوا يفكرون اليوم بالحاجة لتحقيق التثقيف والاستزادة بالعلوم والمعارف، بقدر ما يهمهم تجاوز الامتحانات وتحقيق النجاح بأقل الخسائر الممكنة..!!
فمن ينظر إلى المنهج يتأكد بالفعل من صعوبة تجاوزه بسهولة، في مثل هذه الظروف السيئة التي مني ويمنى بها طلابنا، الذين لا ذنب لهم في كل ما يحدث من تأزم سياسي وشتات وطني واجتماعي.. إنهم يدفعون ثمن أخطاء الكبار دون مسوغ أو مبرر، عدا أنهم وجدوا في زمن سياسيين أبرز ما يتصفون به الهمجية والأنانية واللامبالاة تجاه مصائر الأجيال ومستقبلها..!!
ألم يكن بإمكاننا أن نختلف ونتصارع وحتى أن تقاتل بعيداً عن مصائر ومصالح هذه الفئة من الشعب..؟! بلى كان وما يزال بإمكاننا أن نفعل، ولكننا لم نفعل ذلك ولن نفعله.. بل على العكس نزيد على ذلك الإجرام إجراماً أبشع وهو الاستغلال السياسي والقتالي وقصدية التجهيل.. ومع ذلك لا نفتأ نزايد بأبوتنا ومثاليتنا ووطنيتنا وعدالة قضيتنا..!! أية مثالية وأية وطنية وأية قضية وأية عدالة تلك، ونحن ندمر عمداً الفئة الأكبر في مساحتنا السكانية (فئة الشباب)، ونتلف غير آبهين بشيء، مستقبل هذا الوطن فيما لا نستحي من أن نزايد بحبه وبالانتماء إليه..؟!
حقيقة مرة لا نريد الاعتراف بها ولكن علينا وجوبا ممارسة الاعتراف بأن غد هذا البلد ومستقبله ملغومان بمآس وكوارث، لأظنه سيكون بمقدورنا إن عشنا طويلاً مداواتها، ولن يكون ذلك مهيأ لأبنائنا، لأنهم أصبحوا وسيصبحون مصدر وأدوات تلك المآسي والكوارث، وإن زاد الأمر بشاعة، فستنشأ في نفوسهم وأرواحهم نزعة انتقامية منا ومن زمننا، فيزيدون الطين بلة كما يقال.. وعندها للأسف الشديد سينطبق علينا تماما وصف البلد أو الشعب الذي لا مستقبل له..!!



























