بقلم/ أ‌.د. أحمد قايد الصايدي
نُشر هذا المقال في يناير 2007م في شبكة البصرة وفي صحيفة (الموقف العربي) المصرية، ثم أُعيد نشره في كتاب (الرِّهان الثالث).

ولاهميته يتشرف موقع " سام برس" الاخباري باعادة نشره ، بعد أن شاهدنا في يوم الجمعة الماضي، الثامن من شهر نوفمبر الجاري ، قطعان الصهاينة المشجعين لفريق كرة القدم الإسرائيلي في مدينة أمستردام يطلقون هتافاتهم الهستيرية (الموت للعرب)، وينزعون الأعلام الفلسطينية التي ثبتها الهولنديون على جدران منازلهم تأييداً للحق الفلسطيني، ويوصمون كل من قاوم جنونهم من أبناء الشعب الهولندي بتهمة (معاداة السامية).

حتمية زوال الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة أمر لا يمكن الشك فيه. ونحن لا نتساءل: هل سيزول هذا الكيان العدواني الغاصب أم لا، فالسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه، منذ اغتصبت العصابات الصهيونية فلسطين وشردت سكانها، هو : متى سيزول هذا الكيان ويعود الغرباء من حيث أتوا، كل إلى بلده وشعبه الأصلي، أو يقبلون بالحياة المشتركة مع الفلسطينيين، في ظل دولة فلسطينية ديمقراطية؟ المسألة إذاً هي مسألة وقت، ليس إلا. والوقت هنا لا يحسب بأعمار الأفراد من بني البشر، بل بأعمار الشعوب. وحياة الشعوب حياة ممتدة، تتجاوز العقود والقرون. وعلى ذلك فإن زوال الكيان الصهيوني هو أمر حتمي، قد لا يحدث اليوم أو في المستقبل المنظور، ولكنه سيحدث حتماً. وليس هذا ضرب من التمنيات ولا حتى مجرد تكهنات، ولكنه استشراف يبلغ درجة اليقين، المبني على أسباب منطقية واضحة إلى حد البداهة، يجب أن ندركها ونعلمها لأطفالنا. ومن هذه الأسباب، على سبيل المثال لا الحصر:

1. الكيان القابل للبقاء لا يمكن أن يؤسس على الدعاوى الكاذبة والأساطير والأوهام التاريخية، التي لا صحة لها، والتي سرعان ما تتهاوى أمام النقد التاريخي.

2. الكيان القابل للبقاء هو وجود منسجم مع محيطه، يتفاعل معه ويندمج فيه. أما الوجود الصهيوني في فلسطين فهو وجود عدواني دموي، يثبت كل يوم أنه غير قابل للتعايش مع محيطه العربي.

3. الكيان القابل للبقاء لا يمكن أن ينتهج سياسة التدمير والقتل المستمرين وتجريف الحقول واغتصاب الأرض وتشريد السكان الأصليين. لأن سياسته هذه تولد عناصر مقاومته وتحمل في طياتها بذور فنائه.

4. الكيان القابل للبقاء لا يواجَه بمقاومة مستمرة ترفض وجوده، وأصحاب حق مغتصب، مصممون على استعادة حقهم من الغاصب مهما تطلب الأمر من تضحيات، وأجيال يورِّث كل جيل للجيل الذي يليه مهمة تحرير الأرض وإنهاء وجود الكيان الغاصب.

5. الكيان القابل للبقاء لا يكون جزءاً من القوى الخارجية المتآمرة على البلاد المحيطة به، ورأس جسر لهذه القوى وممثلاً لمصالحها.

6. الكيان القابل للبقاء يستمد مقومات بقائه من قدراته الذاتية. وأي كيان يستمد وجوده من قدرات الآخرين، أي من الدعم المادي والسياسي الدائم، الذي يقدم له من قوى خارجية، ذات مصالح في المنطقة، هو كيان زائل لامحالة. لأن المصالح تتغير والحسابات تتبدل، وسيأتي يوم يصبح مد هذه القوى للكيان الصهيوني بأسباب البقاء مضراً بمصالحها. وهنا ستملي عليها مصالحها التخلي عن هذا الكيان، وتركه يواجه مصيره المحتوم.

لهذه الأسباب ولغيرها، يمكن الجزم بأن الكيان الصهيوني زائل لامحالة وأن المسألة ليست سوى مسألة وقت، كما قلنا. فكيان هو بطبيعة تكوينه ونشأته وعقيدته الصهيونية كيان عدواني دموي، وجوده عدوان واستمراره تأكيد للعدوان، لا يمكن أن يجنح للسلم أو يتعايش مع محيطه. وكل التصورات العالقة في أذهان بعض الحكام العرب عن إمكانية تحقيق السلام والتطبيع مع هذا الكيان، هي تصورات مبنية على فرضيات خاطئة، وعلى أوهام لن تلبث أن تتبدد، بفعل الطبيعة العدوانية للصهاينة. وغداً ستضطر القوى العالمية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، حاضنة الصهيونية وراعية كيانها العدواني في فلسطين، ستضطر إلى مراجعة حساباتها، حفاظاً على مصالحها الحيوية.

فهل سيبادر حكامنا العرب، منذ الآن، إلى مراجعة حساباتهم والتخلي عن أوهامهم وعن أنانياتهم، ويعمدوا إلى التصالح مع شعبهم، بدلاً من التصالح مع العدو، قبل أن تعصف بهم رياح التغيير، التي تحمل بشائرها المقاومة العربية في فلسطين، وخمائر المقاومة التي تتخلق الآن، وستأخذ قريباً أشكالها الفاعلة في كل بقعة من أرض العرب، بفعل القهر الخارجي والظلم الداخلي.

وكأني بهذا الظلم وذلك القهر يمثلان القابلة، التي ستولّد مقاومتنا الجبارة من رحم أمتنا العظيمة. فلنبشِّر بهذه المقاومة الموعودة، ولنلتف حول طلائعها في فلسطين، ونحيي إنجازاتها الخارقة، ولا نبتئس ونحن نشاهد حجم الظلم والكذب والتزوير والتدمير والإجرام، الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية وشركاؤها، لأن هذا هو على وجه التحديد ما سيعجل بامتداد المقاومة لتشمل كل وطننا العربي، لأن في كل بقعة منه يقبع ظالم أو مغتصب أو متواطئ.

فهل سيراجع الحاكم العربي حساباته قبل فوات الأوان؟ وهل سيغشاه بعض ما لدينا من يقين، بأن الكيان الذي أقامته العصابات الصهيونية عام 1948م في فلسطين العربية، هو كيان زائل لامحالة، بفعل طبيعته ونشأته واستحالة تعايشه مع محيطه، وفوق هذا وذاك، بفعل المقاومة، التي تشكل الجهاز المناعي للأمة، الرافض لهذا الجسم العدواني الغريب؟

إن الزوال الحتمي للكيان الصهيوني العدواني الغاصب، والعوامل الموضوعية لزواله، هو ما يجب أن يستقر في وعينا ووعي أبنائنا وأحفادنا. وهذا أمر لابد أن يهتم به التربويون في مدارسنا، والوعاظ في مساجدنا وكنائسنا، والسياسيون في أحزابنا، والكتاب والصحفيون في كتبنا ومجلاتنا وصحفنا. فهذا ما سيقرب يوم الخلاص ويعبد الطريق المؤدي إلى النصر أمام المقاوم العربي، طليعة الأمة وعنوان شرفها ومجدها.

حول الموقع

سام برس