بقلم/ القاضي الدكتور حسن حسين ال
= ضياع في دهاليز الاختلاف .. سفائننا دون مرافئ
في عالم متغير ويمور بأعاصير وعواصف شتى وباشتداد الرياح واضطراب سفائن الابحار في هذا المحيط المتلاطم من الاضطراب ومن الفوضى ومن التزاحم على كل شيء .. يقف العربي مثل طفل امام سيل جارف لا يدري أي الطر ق يسير فيها ولا يدرك الى اين تأخذه الايام الغبراء التي القت به في اوساط مخالب وانياب حياة لا ترحم من الفوضى ومن القتل ومن الفتن ومن اراقة الد ماء وهموم وتفقير وظلم وتو هان الآمال وشحوب المواقف الرمادية ..

في هذا العالم اعترف انا المواطن العربي المغلوب على أمره ان الأراضي رغم اتساعها امام ناظري قد تحولت الى منافٍ موحشة , وان الجدران التي كنت أتكئ عليها قد مالت وتحولت إلى جدران مطاطية لا يمكن الركون عليها في الاستناد أو حتى الاسترخاء في ظلالها لرد النفس بعد صعود نقيل سودان الشاق فقد تساوى مصلول العر مع سوق الربوع وأستعلى شاهق ظفار على جبل النبي شعيب ولهذا أقر واعترف انا العربي أنني صرت غريباً في وطني وان الأشجار والوديان والجبال التي كانت تؤنسني في غابر الايام قد أنكرتني وهربت من تحت أقدامي .. ففقدت الطريق وأضعت المعالم وتوارى جبل المنصورة وتغطى بالضباب والغيوم..

لقد تاهت مني الرؤية والاذاعات والفضائيات وأحرف الكتب وكلماتها تحولت إلى وحوش تريد أن تهضم أشلائي وان تبتلع عظامي بعد أن فقدت البوصلة وضاعت مني رغبة الحياة بعزة وكرامة ..
أحذية بني صهيون تملأ المساحات أمامي وغلظة الأمريكان تملأ اسماعي وفحيح الخائنين والمتزلفين والكاذبين تحاصرني من كل حدب وصوب و ترامب المغرور بالعظمة يتوعد ويزبد ويرعد ..
وانا العربي المغبون الظالم المظلوم الباحث عن أمل أقر واعترف أن رموزنا لم تعد رموز وان الشهامة والمرؤة غادرتنا خائبة بعد أن تعرضت للخديعة وتلونت بالأكاذيب.
ديارنا كعرب اصبحت نهباً لكل غاز ومستباحة من كل طماع .. وسفائن الغزو تحاصرنا .. وطائرات الغرب تناوشنا ونحن في ذل واستكانة ..
واصبح كل خنزير ضال يعبث في مرابعنا وينشر الفساد والافساد .. وتبارى العلوج في اذلالنا وقد اصبحنا مدمنين للذل والخضوع حتى الثمالة ..
كثيرون قالوا لنا ان الطريق هرب من تحت اقدامنا وحكماء افادوا اننا لم نعد نملك مرجعاً بعد أن نسينا مرجعنا وغفلنا عنه وانشغلنا بقشور الأمور ولهذا كان الجزاء من جنس العمل ..
فهل كان عملنا خائباً دون معنى .. وهل صدأت سيوف الحق في أيدينا ولهذا ذهبنا نحو شقوق النسيان والتناسي ..
ولهذا اقر واعترف انا العربي الذي اضاع ملامحه وذهب يبحث عن ذاته الضائعة بين ركام السنوات وهيهات أن يجد منقذاً من هكذا منزلق وهكذا ضياع ..

نحن في سفينة فقدت شراعها وضاعت مجاذيفها والموج يتلاطم بها الى ما شاء الله .. ولا مرفأ يتسع لسفينتنا المتهالكة ولا اشراقة ضوء تنتظرنا ولا فنار نهتدي به .. من امامنا صراعات ومن خلفنا ماض مثقل بالصراعات ومن كل جانب تحاصرنا أوباش التاريخ شرعة سواطيرها نهشاً وضرباً لنا في أجنابنا ونحن في مازق وفي ضنك وفي فوضى عارمة عشرات الألاف يقتلون ويشردون ونمرود عصره يأمر بالتهجير ومغادرة الديار ومع ذلك يهدد بالويل والثبور ولا من مغيث فهل قدر على العربي المسحوق والمطحون المضطرب ان يظل لعقود قادمة اسير هذه الصورة المذلة من الحياة ومن الطفر والتوهان ومن فقدان التوازن ..

لا ندري ربما قد يبعث الله لنا هادياً أو يعصمنا إلى جبل نسترد فيه انفاسنا اللاهثة الباحثة عن أمان مفقود وعن لحظة رد نفس تعيننا على اجتياز مانحن فيه من اضطراب ومن جور ومن غموض ومن خيانة ومن اهتزاز الرؤى .. ربما يرسل الله علينا من السماء بركات اضعناها في معتركات الطرق وفي دهاليز الاختلاف والخلاف التي اضاعتنا ولهذا انا العربي أقر واعترف انني ادركت مؤخراً انني استغنيت عن الحكمة بالطيش وانني امتطيت الغرور ونسيت انني خلقت من طين وانني تماديت في الابتعاد عن رؤى الخالق سبحانه وتعالى الذي ملكني أموال قارون ومنحني الكتاب وهداني إليه وإلى شريعة النبي الخاتم الذي دعانا للتكافل والتراحم ونصرة المظلوم فنسيت كل ذلك ولهذا استشرى فيا الطغاة وتفرعن علينا اراذل التاريخ من جماعات التلمود وشذاذ الآفاق فنهبونا قدسنا ودنسوا أقصانا ..
فيما السفهاء من أراذل قومنا ولغوا في ملذات الفساد والضياع والبهرجة وقشور المظاهر ..

فان كان حاضرنا بهذه المرارة ترى كيف سيكون مستقبلنا وكيف ستكون اجيالنا القادمة .. ؟!!؟!!
لقد خذلنا تاريخنا وخذلنا رموزنا التاريخية وانسقنا الى طوابير الضياع جياع خالية أيدينا من الفتيل والنقير والقطمير.. والتاريخ لا يرحم ولن يرحم كل من سوف أو قصر أو ماطل أو تماهى مع الضياع .. أعترف أنا العربي المكلوم أعترف انا العربي .

حول الموقع

سام برس