بقلم/ مصطفى بن خالد
يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استثمار حالة الفوضى الإقليمية لتحقيق أجندات توسعية، مستغلاً الصراعات الداخلية في المنطقة لإعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم المشروع الصهيوني على المدى البعيد.

وتصريحاته الأخيرة بشأن الجنوب السوري ليست مجرد موقف سياسي، بل رسالة واضحة بأن إسرائيل تعمل على فرض واقع جديد يضمن بقاءها لاعتباراً رئيسيًا في معادلة السيطرة الإقليمية.

فعندما يرفض نتنياهو دخول الجيش السوري أو هيئة تحرير الشام إلى مناطق درعا، السويداء، وجنوب دمشق، وينصب نفسه منافحاً وحامياً للدروز، فهو لا يسعى إلى “حماية الاستقرار”، كما يدّعي، بل يعمل على تكريس معادلة أمنية تخدم المصالح الإسرائيلية، حيث تبقى تلك المناطق منزوعة السلاح وخارج سيطرة دمشق، لكنها في الوقت ذاته خاضعة للنفوذ الإسرائيلي بشكل غير مباشر، مما يجعل القرار في العاصمة مرهونٌ بيد إسرائيل.

إحتلال مقنّع أم مشروع دائم؟

إن ما تحاول إسرائيل فرضه ليس مجرد سياسة دفاعية، بل خطة إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحييد أي قوة عسكرية قد تعيد التوازن في الجنوب السوري، وترسيخ واقع أمني يخدم تل أبيب.

ويأتي ذلك في ظل التحولات الجيوسياسية التي جعلت بعض القوى الإقليمية والدولية شركاء غير معلنين في مشاريع تقسيم النفوذ، حيث يتقاطع الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب مع النفوذ التركي الطاغي في سوريا، في ظل غياب عربي واضح، ما يعزز مخاوف تحول سوريا إلى مناطق نفوذ متفرقة ومتناحرة.

ما وراء الخطاب الإسرائيلي؟

نتنياهو، الذي يدرك أن الحرب السورية أعادت تشكيل المعادلات الإقليمية، يسعى إلى استغلال الفراغ الاستراتيجي لتعزيز وجود إسرائيل العسكري في المناطق العازلة وجبل الشيخ، تحت ذريعة “حماية الأمن القومي الاسرائيلي”.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
هل ستنجح إسرائيل في ترسيخ احتلالها المقنّع؟ أم أن المعادلات القادمة قد تعيد خلط الأوراق، وتجبرها على مواجهة تحديات غير محسوبة؟

ما هو مؤكد أن تل أبيب لن تتخلى بسهولة عن مكتسباتها في ظل الفوضى الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته لن تكون قادرة على فرض إرادتها إلى الأبد، خاصة مع إستمرار التغيرات الدولية، وتصاعد الوعي الشعبي والإقليمي تجاه مخاطر مشاريع التقسيم.

الاحتلال تحت ستار “الأمن”.. إسرائيل ترسّخ نفوذها في الجنوب السوري

لم تكن إسرائيل يوماً لاعباً محايداً في المشهد السوري، بل استغلّت سنوات الحرب والفوضى لفرض أمر واقع جديد يخدم أجندتها التوسعية.

واليوم، تأتي تصريحات نتنياهو لتؤكد أن الوجود الإسرائيلي في جبل الشيخ والمنطقة العازلة لم يعد مجرد إجراء أمني مؤقت، بل خطة استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تكريس الاحتلال تحت غطاء الأمن.

هذا الإعلان ليس مجرد تحذير سياسي، بل إشارة واضحة إلى أن تل أبيب لم تعد تكتفي بالاحتلال القائم في الجولان، بل تسعى إلى تعزيزه وتوسيعه، وتحويل الجنوب السوري إلى ساحة نفوذ دائمة.
والذريعة؟ “حماية الحدود ومنع اقتراب أي قوة معادية”، وهو تبرير استخدمته إسرائيل مراراً لتبرير توسعها على حساب الدول المجاورة.

لكن الحقيقة أبعد من مجرد إجراءات أمنية، فإسرائيل تدرك أن الجنوب السوري يشكل نقطة استراتيجية حساسة، وهي تسعى إلى ضمان بقاء المنطقة تحت نفوذها، ليس فقط لمنع أي تهديد محتمل، ولكن أيضاً لإعادة تشكيل معادلة القوة في سوريا بما يخدم مصالحها الإقليمية.

فهل ستتمكن من فرض هذه المعادلة الجديدة؟ أم أن التحولات القادمة قد تضع حداً لطموحاتها التوسعية؟

بين النفوذ التركي والإسرائيلي… سوريا على طاولة التقاسم الإقليمي

لم تعد سوريا مجرّد ساحة صراع داخلي، بل تحوّلت إلى رقعة شطرنج دولية تتنافس عليها القوى الإقليمية والدولية، حيث تتداخل الحسابات وتُرسم الحدود وفقاً لمصالح الخارج أكثر من الداخل.

وكما استطاعت تركيا ترسيخ وجودها في الشمال ثم في سوريا كلها عبر الفصائل الموالية لها، محوّلةً سوريا إلى إمتداد لنفوذها السياسي والعسكري، تعمل إسرائيل في الجنوب على فرض معادلة مماثلة، ولكن بأسلوب أكثر هدوءاً ودهاءً، يقوم على إنشاء منطقة عازلة تحقّق أهدافها الإستراتيجية دون الحاجة إلى تدخل عسكري واسع النطاق.

خريطة النفوذ الجديدة… تقسيم غير معلن؟

يختلف التدخل التركي في سوريا عن التحركات الإسرائيلية في الجنوب من حيث الأدوات والأساليب، لكن النتيجة واحدة:
إعادة تشكيل المشهد السوري بما يخدم مصالحهما.
فبينما تستخدم أنقرة القوة العسكرية المباشرة والفصائل الموالية لها لفرض واقع جديد على الأرض، تعتمد تل أبيب على الدبلوماسية، التفاهمات السرية، والدعم اللوجستي لفرض نفوذها بطريقة أكثر حذراً وأقل ظهوراً.

في ظل هذه المعادلة، تتحوّل سوريا إلى كيان مجزأ خاضع لمناطق نفوذ متعددة، حيث تسيطر تركيا على كامل سوريا، ماعدى مناطق الاكراد، وإسرائيل تسعى لتكريس هيمنتها في الجنوب، بينما تجد دمشق نفسها محاصرة بين الضغوط الإقليمية، والتوازنات الدولية، والصراع المستمر على النفوذ.

الغياب العربي… مشهد مقلق

وسط كل هذا، يبرز غياب عربي مخيف عن الساحة السورية، حيث لم تعد الدول العربية تمتلك أي تأثير حقيقي على مستقبل هذا البلد، رغم أن سوريا تاريخياً كانت أحد الأعمدة الأساسية في النظام العربي.

هذا الفراغ العربي سمح لقوى أخرى بملء المشهد، وإعادة تشكيله بما يتناسب مع مصالحها لا مع مصالح السوريين أنفسهم ولا مع مصالح الأمة العربية .

إلى أين يتجه المشهد؟

هل ستنجح القوى الكبرى في ترسيخ هذا التقسيم غير المعلن، أم أن التحولات القادمة قد تُعيد خلط الأوراق؟ وماذا عن الشعب السوري، الذي يرى بلاده تتجزأ بين المشاريع الإقليمية، بينما يغيب الدور العربي عن أي حل مستقبلي؟

الأسئلة تبقى مفتوحة، لكن المؤكد أن سوريا اليوم ليست كما كانت بالأمس، وأن ما يجري ليس مجرد صراع عابر، بل إعادة رسم لخريطة الشرق الأوسط بمشاركة إقليمية ودولية، وبتجاهل عربي مقلق.

نتنياهو وسوريا… استثمار الفوضى لاقتطاع النفوذ

يدرك بنيامين نتنياهو تماماً أن التغيرات الجيوسياسية التي أعقبت سنوات الحرب السورية قد خلقت فراغاً استراتيجياً في مناطق حيوية من البلاد.
هذه الفوضى، التي استغلّتها العديد من القوى الإقليمية والدولية، تُعتبر فرصة ذهبية لإسرائيل التي تسعى لاستثمار هذا الفراغ بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.

تماماً كما مدّت تركيا يدها إلى الشمال ثم إلى كل سوريا، باحثةً عن مناطق نفوذ جديدة عبر الفصائل الموالية لها، يسعى نتنياهو إلى اقتطاع حصته من هذه الفوضى في الجنوب السوري.

لكن الأمر لا يتوقف عند النفوذ العسكري أو السياسي فحسب، بل يتعلق بـمنع عودة السيادة السورية الكاملة على أراضيها، خاصةً في مناطق إستراتيجية كالسويداء ودرعا وجنوب دمشق.

الهدف الأكبر:
محاصرة دمشق

وما يطمح إليه نتنياهو هو إبقاء دمشق محاصرة بين قوى إقليمية ودولية تتقاسم نفوذها، ما يعني إعاقة أي محاولة لعودة النظام السوري إلى سيادته الكاملة على الأراضي التي خرجت عن قبضته.

إسرائيل، كما يبدو، لا تكتفي فقط بالوجود على الجولان، بل تسعى إلى ترسيخ نفوذها في هذه المناطق عبر خطط طويلة الأمد، في محاولة لتغيير الواقع الجيوسياسي في سوريا بشكل يتناسب مع مصالحها.
ماذا بعد؟

مستقبل الجنوب السوري على حافة الهاوية

مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في جبل الشيخ والمنطقة العازلة، يبدوا أن الجنوب السوري سيظل مسرحاً لصراع النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تسعى إسرائيل لتثبيت واقع جديد يعزز وجودها العسكري والسياسي في تلك المناطق.
في الوقت ذاته، دمشق تواجه تحديات معقدة ومركبة، تجعل من استعادة السيادة على الجنوب أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.

الجنوب، الذي كان يوماً جزءاً من السيادة السورية، أصبح اليوم ساحة صراع بين اللاعبين الكبار.

فإسرائيل، التي لا تُظهر أي نية للانسحاب، تضع نصب عينيها الاستمرار في تعزيز نفوذها، سواءً عبر الوجود العسكري المباشر أو من خلال تحالفات غير معلنة مع قوى إقليمية ودولية.

إسرائيل والواقع الجديد:
خطوات إستراتيجية نحو تكريس الاحتلال

الهدف الذي تسعى إليه تل أبيب ليس مجرد إحتلال مؤقت، بل إعادة صياغة المشهد الجيوسياسي في المنطقة على نحو يُبقي الجنوب السوري تحت نفوذها.

هذه السياسة تستفيد من الفراغ السياسي والعسكري الناجم عن التدخلات الأجنبية في سوريا، لتخلق وضعاً غير قابل للتغيير.

دمشق في دائرة الضغط:
استعادة السيادة في مهب الريح

في المقابل، دمشق تجد نفسها محاصرة بين تحديات داخلية من قوى معارضة وفصائل مسلحة، وخارجية تتعلق بالتدخلات الإقليمية والدولية.

استعادة الجنوب السوري لن تكون مهمة سهلة، لا سيما مع تعقيد الوضع الأمني ووجود قوى ذات مصالح متشابكة.

ما بعد الاحتلال : الأسئلة المفتوحة
ماذا بعد؟ هذا السؤال يظل محورياً في فهم مستقبل الجنوب السوري. هل ستنجح دمشق في استعادة سيادتها على أراضيها، أم أن النفوذ الإسرائيلي سيبقى مترسخاً، معزّزاً بالتحالفات الدولية؟ هل ستتمكن القوى الإقليمية والدولية من فرض تسوية سياسية، أم سيظل الجنوب السوري مفتوحاً للصراعات المستقبلية؟

الجنوب السوري، إذاً، ليس مجرد ساحة جغرافية، بل مستقبل ملتبس لبلد يسعى لاستعادة مكانته في قلب المنطقة، بينما تتقاسم قوى أخرى النفوذ على أراضيه.

هل سيبقى الوضع قائماً؟

معادلات جديدة قد تفرض نفسها في الجنوب السوري

لكن السؤال الأهم الذي يطرحه مستقبل الجنوب السوري هو:

هل سيبقى هذا الوضع قائماً؟ أم أن التغيرات القادمة ستفتح آفاقاً جديدة قد تعيد خلط الأوراق، وتضع الاحتلال الإسرائيلي أمام تحديات غير متوقعة؟

الوضع الراهن، رغم استمراره لسنوات، لا يبدو مستداماً إلى الأبد.

فالمنطقة العربية والإقليمية تشهد تحولات غير مسبوقة، وتغيرات جيوسياسية قد تطيح بالمعادلات القديمة.
النفوذ التركي، المشاركة العربية والروسية في مسار الحل السياسي، والتقلبات الدولية قد تدفع الأمور في اتجاهات غير متوقعة.

التغيرات القادمة:
فرص وتحديات جديدة

في سوريا، كما في غيرها من بقاع العالم، الواقع لا يبقى ثابتاً.

فالفراغات الإستراتيجية التي تتيح للقوى الإقليمية والدولية الهيمنة قد تُملأ بسرعة بمفاجآت، في وقت لا يُمكن التنبؤ به.

فحتى الاحتلال الإسرائيلي قد يواجه تحديات غير متوقعة، سواءً من خلال الضغوط الدولية أو التحولات الداخلية السورية التي قد تخلق ظروفاً جديدة لإعادة التوازن.

هل تستطيع دمشق استعادة زمام الأمور؟ هل تفرز التغيرات المستقبلية ديناميكيات جديدة تُغيّر قواعد اللعبة في المنطقة؟
ربما، لكن ما هو مؤكد أن مستقبل الجنوب السوري يظل مليئاً بالتساؤلات الكبرى، التي قد تحدد مسار المنطقة في السنوات المقبلة.

إسرائيل بين الثبات والتحدي: مستقبل الاحتلال في ظل المتغيرات الإقليمية

ما هو مؤكد أن إسرائيل لن تفرّط بسهولة في ما حققته من نفوذ في ظل الفوضى السورية.
لقد نجحت في سحق البنية العسكرية للجيش السوري، ومن ثمَّ رسخت وجودها في الجنوب السوري، مستفيدةً من الفراغ السياسي والعسكري الذي خلفته الحرب.

لكن في المقابل، إسرائيل تدرك أن الزمن ليس في صالحها، وأنها لن تكون قادرة على فرض إرادتها إلى الأبد في ظل التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

التغيرات القادمة:
الفرص والتحديات

التغيرات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم، بدءاً من النفوذ التركي في الشمال الذي تحرك ليشمل معظم الأرض السورية، وصولاً إلى التحولات في العلاقات الدولية، قد تخلق معادلات جديدة تتحدى الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

فحتى التحولات السورية الداخلية قد تدفع النظام الجديد إلى إعادة ترتيب أوراقه، مما سيزيد من التحديات أمام إسرائيل في الحفاظ على تفوقها العسكري والسياسي في الجنوب السوري.

هل تتحقق المعادلة الجديدة؟

إسرائيل، رغم ما حققته، قد تواجه تهديدات غير متوقعة من خلال تحولات جيوسياسية قد تفرضها القوى الكبرى أو حتى التحالفات الإقليمية الجديدة.

ومع ازدياد الضغوط الدولية والتحولات في المشهد العربي، قد تجد إسرائيل نفسها أمام مفترق طرق يفرض عليها إعادة النظر في استراتيجياتها.

ما هو حتمي أن الزمن لن يظل كما هو، وأن المنطقة على وشك التغيير.

حول الموقع

سام برس