بقلم/ القاضي حسن حسين الرصابي
قراءة من كتاب شذى المعارف لمؤلفه القاضي حسن حسين الرصابي
الحمد لله الذي أراد بنا اليسر، وجعل رمضان شهر الصبر، واختار منه ليالي عشر، وفضلها بليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر في هذه الأيام المباركة من الشهر الفضيل ما أجمل أن نعود إلى الله سبحانه ونغتنم الفرصة ونستغل ما تبقى من رمضان في المسارعة بالطاعات وطلب الغفران من أدران السنوات والأعوام الماضية..
قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [آل عمران:133] وقال: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
ها نحن وإياكم نقف على أعتاب العشر الأخيرة من رمضان, ولا زلنا نتذكّر ذلك الفرح الذي عم قلوبنا بالأمس بلقاء هذا الشهر الكريم، وها هو اليوم ماضٍ بأعمالنا، فماذا يا ترى لدينا في أيام الوداع ؟
إن المتأمّل في هذا الشهر يجد أن هناك حكمة عظيمة من وراء شرعيته، فقد جعله الله تعالى على قسمين، العشرون الأولى من أيامه جعلها الله تعالى فرصة لاغتنام المزيد من الطاعات، ثم جعل الله تعالى هناك فرصة مضاعفة لمن فاته شيء من الفضل، في العشر الأخيرة منه التي جعلها الله تعالى بمثابة مسك الختام للوداع، واختصها بليلة القدر، تلك الليلة التي تعدل ثلاث وثمانين سنة وبضعة أشهر في تاريخ الإنسان .

فهذه فرصة تعود علينا من جديد، والمؤمن الصادق هو من يستغل الفرص حينما يرى بريقها؛ فما أحوجنا اليوم في ظل هذه العشر وقبل الوداع أن نستدرك أيام التفريط، وأن نعوّض ما فات، فالواجب على الفطن العاقل اليوم في ظل هذه العشر أن يحسن ملازمة الطاعة، فعلينا ان نقتدي بحال السابقين، وأول هؤلاء السابقين سيدنا ونبينا صلى الله عليه وسلم حيث تتحدث عن حاله زوجه عائشة رضي الله تعالى عنها فتقول:(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيى ليله، وأيقظ أهله)( متفق عليه). وكانت تقول رضي الله عنها:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره)( رواه مسلم) فها هو رسولنا الكريم يعلم ما في هذه العشر فيتعبّد فيها ما لا يتعبّد في غيرها .
إن أول صورة تتراءى في الذهن لاجتهاد نبينا الكريم هي صورة إقباله صلى الله عليه وسلم على الصلاة، واهتمامه وتعلقه بها، ولما لا تكون كذلك وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم:(لا يتوضأ أحدكم فيحسن الوضوء ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله إليه كما يبشبش أهل الغائب بطلعته).( رواه ابن خزيمه). فإذا كان الله تعالى يعجب منك، ويتبشبش إليك، فماذا تنتظر غير النعيم العظيم جعلنا الله تعالى من أهله وخاصته.
إن الفرصة تبدو كبيرة في حرصنا على صلاة الجماعة، وكثرة النافلة المقيدة والمطلقة، أما الليل فصدق من قال: دقائق الليل غالية فلا ترخصوها بالغفلة! يكفي أن الله تعالى جل جلاله ينزل في ثلثه الأخير إلى السماء الدنيا فيقول:(هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) متفق عليه

إخواني الصائمين : بين يدينا في ليالي هذه العشر ليلة عظيمة القدر والشأن، قال الله تعالى فيها:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) وقال صلى الله عليه وسلم:(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه)( متفق عليه).وقال صلى الله عليه وسلم:(التمسوها في العشر الأواخر في الوتر) متفق عليه.

كما لا ننسى قراءة القران في هذه الأيام فقد كان جبريل عليه السلام يعارض رسولنا صلى الله عليه وسلم بالقرآن في كل عام مرة، وعارضه في العام الذي توفي فيه مرتين، ولا ننسى أن قراءة الحرف الواحد من القران بعشر حسنات إلى أضعاف كثيرة، ويكفي أن الله تعالى قال:( وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) فقط أن نقراه ونحن نتصور انه كلام خالقنا، نقراه قراءة المتشافي به من المرض، الباحث به عن الصحة، المؤمّل فيه الراحة والسعادة والترقي في منازل الإيمان .
ولا ننسى الدعاء في هذه الأيام المباركة لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:( للصائم دعوة عند فطره لا ترد)، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل فيقول:(هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له). وحين سألته عائشة رضي الله عنها فقالت له: أرأيت إن علمت أي ليلة.. ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي:( اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). (رواه الترمذي وابن ماجه) فأحوج ما نحن بحاجة إليه في هذه المسألة هي أنه حين يرانا الله تعالى ونحن ندعوه أن يرانا وقد لبسنا ثوب الخشية، والذلة، والضعف، والمسكنة، والانكسار بين يديه فإن ذلك من أعظم أسباب إجابة الدعاء, فأقبل في تلك الساعات فإنها من الفرص التي لا تعوّض.
وتذكر أنه قد تهيأ لك من أسباب الخير مالم يتهيأ لغيرك، لئن كنت تشهد هذه العشر وأنت تلبس ثوب العافية فغيرك يشهدها لكنه في حرب وحصار وتشريد وتهجير ومشرد حزين وغيرك أيضاً مريض فاقد العافية يرقد على سرير المرض لا يملك سوى دمعة تذرف على خديه والحسرة والندم على التفريط فيما سوف وقصر في حق نفسه في سالف عمره وايامه الماضية ولا يملك إلا التضرع وطلب الغفران والعافية من المولى سبحانه ..
مالنا لا نحمد الله على نعمة العافية ونعتبر ونغتنم هذه العشر فهي الفرصة التي قد لا تعود، والحياة التي قد لا تتكرر مرة أخرى .. فعلينا أن ننظر إليها بعين المتسابق الذي يتمنى يفوز بأكبر قدر من النقاط . سائلاً الله تعالى الهداية والتوفيق والسداد للجميع وخواتم مباركة.

حول الموقع

سام برس