بقلم/الدكتور/ علي أحمد الديلمي
في ظل ضربات أميركية متصاعدة على اليمن وتعقيدات إقليمية متشابكة يبدو أن مجلس القيادة الرئاسي اليمني قد أصبح في وضع أكثر شلالاً وضعفاً بدلا من أن يكون أداة للحل فهل يمكن أن يظل المجلس والشرعية على هذا الوضع دون أن يعمل على تنفيذ الرؤية الوطنية التى وجد من أجلها بالاعتماد على أسس وثوابت وطنية حقيقية .

منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في اليمن في أبريل 2022 بدت الأزمة اليمنية وكأنها تدخل طورًا جديدًا من التعقيد السياسي والأمني إذ تحوّل المجلس من أداة لإنهاء الانقسام إلى انعكاس صارخ له وأصبح كيان السلطة ذاته جزءًا من الإشكال لا سبيلًا للحل.

وقد ازدادت حدة هذا التعقيد مؤخرًا مع توسع نطاق التدخل الدولي ولا سيما عبر الضربات الجوية الأمريكية التي طالت الأراضي اليمنية بذريعة استهداف القدرات العسكرية لجماعة الحوثي لكن هذه الضربات على الرغم من أهدافها المعلنة عمّقت من حالة الاحتقان الداخلي وأربكت المشهد السياسي الهش أصلًا وفاقمت من هشاشة مجلس القيادة الرئاسي الذي لم يكن يملك أصلًا قدرة حقيقية على إدارة التوازنات الداخلية أو مواجهة التحديات السيادية .

تداخل المشاريع الإقليمية والدولية وتنافسها هو السبب الجذري للأزمة اليمنية أكثر من كونها مجرد نزاع داخلي فالصراع في اليمن لا يعكس فقط تنازع قوى وطنية حول الرؤى والمصالح بل يتجلى فيه صدام أجندات متضاربة تتصدرها السعودية والإمارات إلى جانب الدعم الإيراني للحوثيين وأخيرًا التدخل العسكري الأمريكي الذي أعاد اليمن إلى واجهة الصراع الجيوسياسي.

فبينما تسعى السعودية إلى يمن موحد تحت سلطة مركزية تعمل الإمارات على تمكين قوى جنوبية تتماهى مع مصالحها في الموانئ والسواحل بينما تُوظف إيران الحوثيين ضمن مشروعها الإقليمي ومع دخول الولايات المتحدة عسكريًا عبر ضربات جوية أصبح المشهد أكثر تعقيدًا وظهر المجلس الرئاسي مكشوفًا وضعيفًا عاجزًا عن اتخاذ موقف سيادي أو حتى تعليق ذي معنى ما زاد من فقدان الثقة فيه شعبيًا وسياسيًا .

تشكل المجلس الرئاسي لتوحيد الصفوف ضد الحوثيين لكن تركيبته المبنية على محاصصة مناطقية وسياسية بإشراف إقليمي لم تُنتج شراكة حقيقية بل جسدت الانقسام وجعلت منه ساحة لتنازع الإرادات وبدلًا من اتخاذ قرارات استراتيجية عانى المجلس من غياب الرؤية الوطنية ما أدى إلى تعطل مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات الاقتصادية وفقدان ثقة الشارع خاصة في المناطق المحررة التي تعاني من تدهور الخدمات وتعدد مراكز النفوذ .

لذلك فإن إصلاح هذا الوضع لا يتم عبر ترقيعات شكلية أو تفاهمات فوقية بين أطراف خارجية بل من خلال مسار سياسي وطني شامل يعيد تعريف السلطة ويعيد بناء الشرعية على قواعد جديدة من خلال :
أولًا حوار يمني -يمني حقيقي لإعادة تشكيل المجلس من قوى وطنية ذات مشروع جامع لا عبر تفاهمات إقليمية .
ثانيا تحرير القرار اليمني من الارتهان فاستقلال القرار يبدأ من رفض تمثيل مشاريع الغير واستعادة زمام المبادرة.
ثالثا توسيع قاعدة المشاركة السياسية لتشمل القبائل والشباب والنساء والمجتمع المدني والكفاءات المستقلة باعتبارهم الحامل الحقيقي لأي مشروع وطني جامع.

إن اليمن بحاجة ماسة إلى قيادة لا تتنافس على تمثيل الخارج ولا تلتزم الصمت أمام الانتهاكات للسيادة بل تنطلق من الداخل لتؤسس مشروع دولة أما مجلس القيادة الرئاسي بصيغته الحالية فلا يمكن التعويل عليه ما لم يُعاد تشكيله ضمن عملية سياسية وطنية قاعدتها الأساسية استعادة الإرادة اليمنية.

*سفير بوزارة الخارجية

حول الموقع

سام برس