بقلم/ الدكتور حسن حسين الرصابي
حارت القواميس وعجزت المفردات على وصف ما وصل اليه العرب من مواقف متخاذلة وضياع لكل القيم والمبادئ..
وتحار كيف تسمي هذا الذي طغى على واقعنا العربي من مذلة ومهانة ومن حالات استكانة مقيتة إزاء تفرعن أعداء هذه الأمة وتغولهم..
ومن تدفعه الظروف إلى ان يعيد قراءة ما جرى وما يجري يصل إلى مفهوم واضح ان الأزمات الطاحنة قد ضربت كل مفاصل الحياة.. فمثلاً ارضه مسلوبة وحقوقه مهدورة وكرامته منتهكة..
وحين يعيد المرء قراءة واقعه لا يجد حتى بصيص أمل في نهاية النفق.. وليل نهار الاعلام ينعى واقعه من اخبار مهلكة بدءاً من قُتل ولقي مصرعه وتعرض للانتهاك وغيرها من المصطلحات والمفردات التي تدل على الأوضاع المزرية وعلى الأحوال المتدهورة.. فيما يحفل إعلامنا العربي على مفردات أخرى ايضاً مثل شدد وأستنكر وأدان وعبر عن استيائه وغيرها من المفردات التي صارت علامة عربية مسجلة على القيادات العربية المصابة بكل الملوثات السياسية التي أصبحت المعبر الواضح عن واقع عربي متهالك وعن حالة تمزق نفسي ومعنوي وضياع قيم وضعف وهوان..
لقد ضاعت منا الرؤية وغابت عنا كل إرادة قوية وظللنا نتنفس الضياع والانحدار..
وما يحز في النفس اننا مازلنا نفضل التعاقل والتجاهل والاندفاع نحو التناسي لواقعنا..
إذ لم نجد القيادة القدوة والنموذجية التي تتصدر الموقف وتسارع إلى إتيان الفعل أو ملامسة مكامن التقصير والسير في طريق المعالجة ولو كان قليلاً اذ اكتفينا بالبكاء على الأطلال والاهتمام بالقشور وترك الجوهر وابتدعنا لأنفسنا مبررات ومعاذير بعيدة عن اية معالجة مناسبة إذ اكتفى ذوو الرأي والرشاد على المشاهدة بسلبية واتكأ على الصمت والعيش على هامش الدوامات فقد اعتادوا على أن يكونوا على رصيف المتفرجين والمشاهدين عن بعد.. وتركوا الواقع المر يضرب أطنابه في كل المستويات.
أهملنا رسالة الإسلام الصائبة.. وهجرنا مبادئ الجهاد وهرعنا إلى إتيان المفاهيم الغربية التي غيبتنا عن حقيقة وجوهر قوتنا في إسلام نقي مجاهد حريص على البناء وعلى الابتكار وعلى الابداع وعن مواجهة الظلم والتقصير وإعلاء القيم العظيمة للإسلام وذهب كثير منا في واقعنا العربي الى تبني مفاهيم غيرنا من السطحيات ومن الاهتمامات المغشوشة بالمواقف العدمية والانهزامية ومن جراء مثل هذه الانسياقات والسير المصاب بالضبابية جنينا ثمار الفشل والضياع والفوضى بشكليها الخشن والناعم واصبحنا أمثولة في العجز والخنوع والذلة والانكسارات المتوالية التي لحقت بواقعنا العربي ..
وأصبحنا نسمع علو الصوت الصهيوني الذي يؤكد انه يرسم ملامح الشرق الأوسط.. وانه سيد المرحلة.. بل ان العديد من الركائز الحاكمة في واقعنا العربي تأتي حسب الهوى الصهيوني وحسب املاءات الايادي الصهيونية التي تعبث في هذا الواقع كيفما تشاء..
وتسابق أعمدة المنظومة الحاكمة في منطقتنا العربية الى إرضاء عواصم النفوذ مثل واشنطن ولندن وباريس وتل ابيب وغيرها.
بالأمس القريب جاء ترامب الجابي وفتح كيسه لتنهال عليه الدولارات السائبة بالتريليون دولار.. ووصلة الهدايا الثمينة التي أصبحت امثولة عالمية لان ثمنها بالمليار.. وهذا ما ظهر أما ما أستتر فحدث ولا حرج..
فيما فقراء الأمة العربية والإسلامية يتضورون جوعاً.. وأهالي غزة نموذجاً ولا تهتز لهؤلاء الحكام شعرة أو يرف لهم جفن والمؤلم ان الاعلام العربي المضلل والوقح يحتفي ويحتفل وعبر كل مساحة بالأخبار الوقحة حول ما يسميه ويدعي انها شراكة واستثمار وهي في الحقيقة جباية وإستحمار وابتزاز وشراء مواقف ورضا وصمت قوى النفوذ العالمية التي نصبت مثل أولئك الحكام ونظم الحكم، ولا يعدم الاعلام العربي المضلل الداعر والفاجر من استهلاك كل المفردات التي تجمل من الوجوه القذرة والانماط المستهلكة التي أكل الدهر عليها وشرب واستنفذت كل مبررات ابقائها أو مشروعيتها..
وهنا تكشف المأساة حين تغيب الرؤية وتطغى مثل هذه الطفيليات وتتحكم بمسارات الحياة في هذا الواقع المتردي والمخزي.
وغياب المرجعيات واحدة من الآفات التي أصابت الأمة ولم يعد أمام الناس النموذج القيادي الذي ينبغي أن تمثله الأمة في ثقافاتها وفي فلسفة الحكم فيها.. لان هذا الواقع تعرض للتجريف والتحريف وتغييب الرموز والنموذجية فأكتفينا بان نكون صدى فارغ لا معنى له.. وصرنا نسير على غير هدى وانشات كثير من المكونات في طريق التغريب والاتجاه نحو تغليب الملذات للمقتدرين، والحرمان والجوع للمعدمين والفقراء.
إزاء واقعنا المترع بالمخاوف والحرمان وفقدان الاتزان وانتشار الفوضى وانزياح القيم ليحل محلها الانفلات واللاتوازن ألأجدر بالعرب أن يعيدوا حساباتهم ويتلافوا المزيد من الانهيار والانحداروالهاوية، وهذا لن يتوافران لم نجد ركن رشيد يعيد للامة توازنها وقوتها الإسلامية بدلاً من اللهث خلف مفاهيم الغرب التي أوصلتنا إلى طريق مسدود.
ولو نبدأ بخطوات محددة وبإشارات مشرفة ولو قلت أو كانت محدودة، ولكنها تكون موجودة كمعادل موضوعي يجب العناية بها.. ومع تراكم الأعوام والخبرات سيكون على مجتمعاتنا العربية ان تجد فيها الأمل الذي هو فنار ينبغي ان تتخذه نموذجاً في عتمة الموقف العربي الموبوء بالضبابية والغرابة والضعف والهشاشة.
فما نشهده هو تغول صهيوني وصل في توحشه حداً لا يطاق.. ونشهد فيه منظومات حكم عربي تائه وضائع ومنفلت لا جدوى منه ولا أمل يرتجى منه.
ليس امامنا غير الإسلام والقيم العظيمة للرسالة المحمدية التي سوف تنتشل هذه الأمة من وهداتها وخيباتها نحو أفق مفتوح من العمل والأمل والثمار المرجوة.
[5:54 ص، 2025/5/26] حسن حسن الرصابي: صباح الخير والعافية استاذنا العزيز



























