بقلم/ محمود كامل الكومي
منذ رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، لم تتوقف حملات التشويه التي استهدفت تاريخه ونضاله، بل اشتدت وتيرتها مع تغير موازين القوى في المنطقة وتحول الخطاب الإعلامي العربي الرسمي إلى خطاب يبرر التبعية ويشكك في كل محاولة للاستقلال والتحرر.

لقد مثّل جمال عبد الناصر حلمًا عربيًا وحدويًا، وقائدًا خرج من صفوف الشعب ليقود ثورة يوليو 1952، التي أنهت الملكية والاستعمار البريطاني وبشرت بعهد جديد من العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. لم يكن نضاله يخص مصر وحدها، بل امتد إلى دعم حركات التحرر في الجزائر وفلسطين واليمن وغيرها من بقاع الأمة، كما قاد مشروعًا طموحًا للتصنيع والتعليم المجاني وبناء طبقة وسطى وطنية.

لكن هذا المشروع التحرري كان دائمًا في مرمى أعدائه، من قوى الاستعمار العالمي إلى الأنظمة الرجعية، وحتى بعض النخب المتغربة التي رأت في سياساته خطرًا على مصالحها.
وبعد رحيله، بدأت محاولات محوه من الذاكرة الجمعية، من خلال شيطنته إعلاميًا، وتضخيم أخطائه وتجاهل إنجازاته، والتركيز على هزيمة 1967 باعتبارها خلاصة تجربته، دون الإشارة إلى أنه بقى صامدًا في الميدان، وأعاد بناء الجيش وحقق انتصار الاستنزاف، ومهّد الطريق لنصر أكتوبر.

لقد كان الهجوم على عبد الناصر جزءًا من هجوم أشمل على فكرة الدولة الوطنية ذات السيادة، وعلى المشروع العربي القومي. فالذين حاربوه هم أنفسهم من يدفعون اليوم للتطبيع مع العدو، والتخلي عن فلسطين، وخصخصة كل ما تبقى من مقدرات الشعوب.

من الضروري اليوم أن نقرأ تجربة عبد الناصر قراءة موضوعية، نزيهة، لا تنطلق من عبادة الأشخاص، بل من تقييم نزيه لمشروعه، وللرؤية التي طرحها لمصر والأمة العربية. فالحرب عليه ليست حربًا على شخص، بل على فكرة الاستقلال والكرامة.
محمود كامل الكومي
*كاتب ومحامى. مصري

حول الموقع

سام برس