بقلم/ محمود كامل الكومي
في ظل التصعيد المتسارع والتهديدات الأمريكية المستمرة بشن عدوان عسكري على إيران، تقف دول الخليج على مفترق طرق خطير بين الحفاظ على أمنها الوطني والوجودي، وبين الارتهان لرغبات ومخططات واشنطن التي تقاد اليوم بمزاج رئيس متقلب ونزعات يمينية متطرفة، يضغط عليه اللوبي الصهيوني بزعامة بنيامين نتنياهو ، لإشعال حرب قد تبتلع المنطقة بأسرها.

إن دول الخليج، التي تدرك تمامًا موقعها الجغرافي الحساس وواقعها السكاني والبنى التحتية الحيوية فيها، باتت اليوم مطالبة علنًا وبلا مواربة بأن تُوجّه رسالة حاسمة للولايات المتحدة: لا لضرب إيران، لأن في ذلك تهديدًا وجوديًا لا يطال طهران وحدها، بل يمتد إلى كل شعوب الخليج والمنشآت الحيوية فيها، وصولًا إلى التجارة العالمية عبر مضيق هرمز.
لم يعد مقبولًا أن تستمر القواعد الأمريكية المنتشرة في أراضي دول الخليج كقنابل موقوتة، تتحول إلى أهداف مباشرة لأي رد إيراني محتمل. فحين تندلع الحرب، لن يكون الشعب الأمريكي في مرمى النيران، بل الشعوب الخليجية، والبنى التحتية النفطية والموانئ والمطارات والمرافق المدنية.

إن على دول الخليج أن تطالب واشنطن بشكل مباشر وسريع بسحب قواعدها العسكرية من أراضيها، لا سيما بعدما ثبت أنها باتت مصدر خطر أكثر منها مظلة حماية. وآن الأوان لأن تستعيد هذه الدول سيادتها الكاملة، وتعلن رفضها لأي عدوان يتم من أراضيها أو باسمها أو بصمتها.

إن أية ضربة أمريكية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية لا تشكل فقط اعتداءً سافرًا على دولة ذات سيادة، بل تهديدًا بيئيًا وإنسانيًا مباشرًا لدول الخليج. فالكارثة النووية التي قد تنتج عن استهداف تلك المفاعلات لن تقف عند حدود إيران، بل ستمتد عبر الرياح والمياه لتُصيب شعوب الخليج نفسها، في صورة تسربات نووية وأضرار بيئية كارثية.

في الوقت الذي يُغلق فيه ترامب أذنيه عن صوت القانون والدستور، ويُصغي فقط لصراخ نتنياهو واللوبي الصهيوني، يُطلّ من داخل أمريكا صوت العقل والمبادئ. فالسيناتور "توماس ماسي" يعارض علنًا اندفاع ترامب نحو الحرب، مؤكدًا أن هذه ليست حرب أمريكا، ولا مصلحة وطنية فيها.

والسيناتور الشهير "بيرني ساندرز" أعاد التأكيد على أن الدستور الأمريكي لا يمنح للرئيس حق إعلان الحرب دون موافقة الكونغرس، محذرًا من أن أي تجاوز لهذا المبدأ يُعد خرقًا صريحًا للديمقراطية الأمريكية ذاتها.
لكن التخوف القائم هو أن ترامب – في ظل ضعف المؤسسات الأمريكية أمامه – قد يضرب بالقوانين عرض الحائط، ويتخذ قرار الحرب إرضاءً لنتنياهو، لا لحماية المصالح الأمريكية.
إن أي عدوان أمريكي لن يمر بصمت، وإيران، التي راكمت قدرات عسكرية وتجريبية في مختلف ميادين الصراع، من سوريا إلى اليمن، ومن لبنان إلى العراق، أصبحت تمتلك اليد العليا في الرد. وها هي الآن وقد سيطرت على أجواء فلسطين المحتلة بصواريخها الفرط صوتية، فقد أعلنت استعدادها لتلغيم مضيق هرمز، بما يعني تعطيل شريان التجارة العالمية ورفع أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة.
كما أن القوات الأمريكية في الخليج ستُصبح أهدافًا مفتوحة لردود صاروخية ومدفعية لا يمكن التنبؤ بحجمها، إلى جانب احتمال أن تفتح الجبهات في أكثر من مكان.

نداء إلى الخليج... لا تكونوا وقود حرب نتنياهو
أمام هذا المشهد، على دول الخليج أن تعلن بوضوح رفضها التورط في أي عدوان أمريكي على إيران، وألا تُستدرج إلى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، إلا الدمار.
لا بد من أن تقول هذه الدول لترامب: توقف عن لعب دور أسد النازيين الجدد، فالعالم ليس ساحة لحروب شخصية أو مكاسب انتخابية. وأمن الخليج ليس ورقة في يد اللوبي الصهيوني لابتزاز إيران أو لترسيخ التفوق الإسرائيلي.

الكلمة الأخيرة :
على قادة الخليج أن يتكلموا الآن قبل فوات الأوان. أن يدركوا أن زمن الحماية الأمريكية قد ولى، وأن الصمت اليوم يعني القبول بالتضحية بأمن شعوبهم.
إيران ليست العدو... والحرب القادمة ليست حربنا.
إنها حرب ترامب ونتنياهو فقط.
ولنكن واضحين: لن نكون وقودًا لها.

*كاتب ومحامي-مصري

حول الموقع

سام برس