بقلم / محمود كامل الكومي
نشرت قناة "الجزيرة" في ذكرى تولي الزعيم جمال عبد الناصر رئاسة مصر موضوعًا بعنوان "رئيس النكسات"، في محاولة جديدة لتشويه أحد أعظم رموز النهضة القومية العربية في القرن العشرين. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يُستهدف فيها عبد الناصر، لا كشخص، بل كمشروع تحرري ملهم للأمة العربية وشعوب العالم الثالث التي قاومت الاستعمار والإمبريالية والتبعية للرأسمالية الغربية.
فمنذ أكثر من نصف قرن على وفاته، ما زال ناصر يتعرض لحملات ممنهجة تقودها أجهزة الإعلام التابعة للصهيونية، وتشارك فيها أطراف معروفة؛ من جماعة الإخوان المسلمين، إلى بعض أنظمة الخليج، إلى أبواق أمريكية تجد ضالتها في إفراغ الذاكرة العربية من رموزها، وقص أجنحة الحلم القومي الذي لا يزال يحيا في ضمير الأحرار.
إن الهجوم على عبد الناصر هو محاولة لضرب الفكرة لا الشخص. فهو لم يكن مجرد رئيس لمصر، بل كان قائدًا لمشروع تحرري عربي، أممي، يستند إلى الاستقلال الوطني، والتحرر الاجتماعي، والكرامة الإنسانية. لقد رأى فيه الغرب زعيمًا يهدد مصالحه، ورآه الفقراء نصيرًا لقضاياهم.
صحيح أن ناصر هُزم في حرب يونيو 1967، لكن الهزيمة لا تلغي التاريخ ولا تقتل الفكرة. فحتى الرسول محمد ﷺ هُزم في "أحد"، ولم يشمت فيه أحد من المؤمنين. وفرنسا نفسها احتلتها النازية في الحرب العالمية الثانية، ولم يكن الفرنسيون يومًا في خندق الشماتة من قادتهم. أما عبد الناصر، فقد وقف بعد النكسة شامخًا، رافضًا الاستسلام، وعاد ليبني الجيش من جديد، ويقود "حرب الاستنزاف" التي وضعت الأساس لنصر أكتوبر 1973. فأين هم اليوم من يهاجمونه، وماذا بنوا بعده؟
عبد الناصر هو من أنهى الوجود الإمبراطوري البريطاني والفرنسي في الشرق من بوابة العدوان الثلاثي عام 1956، ورفع راية "تأميم قناة السويس"، متحديًا أعتى القوى الاستعمارية. وهو من شيد السد العالي، ورفع معدلات التنمية في مصر إلى أعلى مستوياتها تاريخيًا. وهو من قاد حركة عدم الانحياز، وجعل من مصر منارة لدول الجنوب الباحثة عن الكرامة، خارج ثنائية الحرب الباردة.

وكان ناصر من أوقف الحرب الأهلية التي حاول النظام الأردني بقيادة الملك حسين شنها ضد الفلسطينيين في "أيلول الأسود"، فناصر الفلسطينيين بكل الوسائل، واحتضن قضاياهم، ورفض المساومة عليها.
أما ما يُثار اليوم حوله، فيندرج ضمن حملة تستهدف القومية العربية، والعدالة الاجتماعية، وفكرة الاستقلال الاقتصادي والسياسي. فالهدف الحقيقي من هذه الحملة هو تسليم الأمة لأمريكا، وتمهيد الأرض لمشروع إسرائيل الكبرى "من النيل إلى الفرات"، وفرض قيادة صهيونية على العالم العربي.
قناة الجزيرة، التي تقع جغرافيًا بين قاعدتين أمريكيتين في الدوحة، تؤدي دورها بكل إخلاص في هذا المشروع. فهي لا تكتفي بنقل وجهات النظر، بل تكرّس برامجها للنيل من الزعامات التاريخية، وعلى رأسهم عبد الناصر، خدمة للمشروع الصهيوني، وتحقيقًا لحلم تفكيك الوعي العربي، وتدجين الأجيال الجديدة بعيدًا عن الفكر المقاوم.
في النهاية، لا يليق بجماهير أمتنا أن تنخدع بتلك الأبواق، فقد مضى عبد الناصر، لكن مشروعه لم يمت. فالقومية ما زالت في قلب كل مقاوم، والعدالة الاجتماعية ما زالت حلم كل فقير، والكرامة الوطنية ستظل المعيار الذي تُقاس به الشعوب، لا حملات التشويه ولا صفقات التطبيع.

*كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس