بقلم/ فيروز الوالي
في عالم السياسة، لا يكفي أن تنزف كي يُسمع صوتك، عليك أن تعرف كيف تصرخ. لا يكفي أن تموت كي تُذكر، بل يجب أن تموت وأنت تكتب خطاب النعي بنفسك. في أميركا، دولة "الديمقراطية واللوبيات"، استطاع صاحب مطعم لبناني – لا يملك طائرات ولا جيوشًا ولا قناة فضائية – أن يضع شرطًا لاستقبال دونالد ترامب في مطعمه:
"لن تدخل مطعمي إلا إذا تعاملت مع لبنان كما تتعامل مع إسرائيل، أو على الأقل أوقفت تمويل الحرب على لبنان
مشهد يبدو ساخرًا… لكنه حدث. لم يُقابَل الموقف بالصمت، بل رد ترامب بتغريدة: لبنان سيعمّه الأمن والاستقرار. تخيل! تغريدة رئاسية من فنجان قهوة.
وفي ولاية أخرى – لا تبعد كثيرًا – كان ترامب يخطب في واحدة من أهم ولايات حملته، حيث الجالية اليمنية تشكل وزنًا عدديًا ضخمًا، وحيث العمدة نفسه… يمني الأصل. نعم، عمدة الولاية يمني، والمهاجرون يمنيون، لكن لم تُرفع لافتة، لم يُكتب بيان، لم تُسجَّل وقفة احتجاجية، ولم يُسمع حتى همسٌ عن الحرب، الجوع، والحصار.
▪ فنجان قهوة يصنع تغريدة… ودماء اليمن تُمحى بصمت
اللبناني واجه ترامب بندّيّة، كأنهما خصمان على طاولة تفاوض. أما اليمني، فوقف على الهامش، كضحية نبيلة لكن عاجزة. لم يتكلم، لا لأنه لا يشعر، بل لأنه لم يُربَّ على أن يطالب. هو يعيش في "عقلية الضيف": شكرًا على اللجوء، شكرًا على الخبز، شكرًا على الصمت.
لكن السياسة ليست مأدبة خيرية. من لا يطالب، لا يُمنح شيئًا. من لا يُنظم نفسه، لا يُحتسب. من لا يلوّح بورقة الصوت الانتخابي أو الإعلامي، يُترك في الحاشية.
▪ الجغرافيا لا تساوي الجالية
لبنان بلد صغير، لكنه يملك جالية سياسية واعية، تجيد استخدام الإعلام، وتحمل رواية موحدة – حتى في انقسامها. أما اليمن، بعمقه التاريخي والجغرافي والسكاني، فجاليته في المهجر ضخمة لكن ممزقة. كل فرد ناطق باسمه فقط. كل مهاجر سفير نفسه، دون سفارة.
لا يوجد لوبي يمني. لا يوجد صوت موحد. لا يوجد تصور واضح لما يجب فعله. لذلك، فحتى لو مات الآلاف، وتضاعف الجوع، وبُترت الأجساد، فالصدى صفر. لأنه لم يُصنع.
▪ لوجستيًا: من يصنع السياسة؟
في أميركا، السياسة لا تُبنى على العاطفة، بل على التنظيم. الجالية اللبنانية – أو جزء منها – تعرف طريقها إلى الإعلام، إلى الكونغرس، إلى أدوات الضغط. تستخدم الفعاليات، تتواصل مع مراكز الأبحاث، تصوغ خطابًا سياسيًا حتي وصلت لمصاهرة ترامب .
أما اليمنيون، فحتى عندما يُنتخب أحدهم، يفرحون به كإنجاز فردي لا كأداة سياسية. فتضيع اللحظة، ويُستهلك "العمدة اليمني" في صور الزفاف والمناسبات، بدل أن يتحول إلى منصة ضغط.
▪ نفسيًا: لماذا يخاف اليمني من أن يطلب؟
ربما تعود القصة إلى الحرب، وربما إلى تربية طويلة في الخوف من "السلطة" – أية سلطة. تربّى اليمني على أن يكون صامتًا في حضرة الكبار. وفي أميركا، لم يغيّر هذه العادة. يطلب الرزق، لا الموقف. يركض خلف الإقامة، لا خلف القرار السياسي. يخاف أن يُحسب عليه رأي، فيكتفي بمباركة "الدعاء للسلام".
لكن الدعاء لا يوقف حربًا، ولا يُسقط صفقة سلاح، ولا يمنع طائرة من التحليق.
▪ خلاصة:
الفرق بين القهوة اللبنانية والدم اليمني ليس في الطعم، بل في تقديم الطلب.
ليس في عدد الضحايا، بل في صوتهم.
ليس في حجم الجرح، بل في من يرويه.
في السياسة، ليس هناك ما يسمى "حق يُؤخذ بالصمت".
ومن لا يصنع حضوره، يختفي… حتى لو مات أمام الكاميرا.
---
نصيحة أخيرة؟
في المرة القادمة، قبل أن نشكو من العالم، فلنبدأ بصناعة لغة المطالبة، ووقف تقديم أنفسنا كـ"ضيوف أبديين" في أوطان نتحدث لغتها، وندفع ضرائبها، لكن نخجل من أن نطلب منها شيئًا.



























