بقلم/ الدكتور /علي احمد محمد الد
منذ بدأت أكتب عن جماعة الاخوان المسلمين في اليمن وممارساتها السياسية والفكرية التي أعتبرها جزءا من أزمتنا الوطنية تلقيت ردود فعل عنيفة وصادمة لم تكن فقط من خصوم أو متابعين بل حتى من أصدقاء لي مقربين لهم مكانة خاصة في قلبي واحترام كبير في مسيرتي المهنية والشخصية
كان الأمر مؤلما لأنني لم أكتب بدافع الخصومة ولا الكراهية بل بدافع الحرص على تشخيص مكامن الخلل في خطابنا السياسي والاجتماعي وكان هدفي أن نعيد النظر في بعض المسلمات التي تهيمن على وعينا وتتحكم في رؤيتنا للآخر لكن ما حدث كشف لي أن مجرد الرأي أصبح خاضعا لطبيعة التحالفات والانتماءات وأن مناقشة قضايانا أصبحت محرمة إذا اقتربت من بعض الدوائر

المشكلة في اليمن لم تعد فقط في السلطة ولا في المؤسسات الرسمية بل في البنية الاجتماعية التي ترعرعت على الخوف من المختلف وتمت تغذيتها منذ الطفولة بمفاهيم تقوم على الحذر من الآخر والابتعاد عنه لا على أساس السلوك بل على أساس الاسم والانتماء والمنطقة والمذهب
المجتمع يتربى على الحذر وتنتقل هذه التربية من جيل إلى جيل عبر الأمهات في البيوت والمعلمين في المدارس والوعاظ في المنابر والقيادات في الأحزاب ويصبح تمرير الكراهية أمرا طبيعيا تحت مسميات الحذر والحكمة والحرص على الهوية وتتحول الكراهية إلى قناعة صامتة تمارس في المجالس الخاصة وتنتشر في الأحاديث اليومية وتنعكس في القرارات وفي فرص العمل والزواج والعلاقات وتنتقل من الفرد إلى المؤسسة حتى تصبح هي القاعدة لا الاستثناء

وفي هذا المناخ تصبح الكتابة عن التعايش أو المواطنة المتساوية أو الاعتراف بالتنوع مخاطرة لأنك ستُتهم مباشرة بالخيانة أو التبرير أو الاستفزاز أو محاولة شق الصف الوطني رغم أن كل ما تريده هو إصلاح ما يمكن إصلاحه قبل أن يتحول الانقسام إلى قطيعة دائمة
إن البنية الاجتماعية في اليمن مليئة بالتصدعات التي تراكمت بفعل الصراعات المتكررة والانقلابات المتتالية والانقسامات المناطقية والمذهبية التي تم توظيفها سياسيا طوال العقود الماضية ومع كل دورة صراع كانت الكراهية تتجذر أكثر والخوف يزداد والاحقاد تتوارث

ولذلك فإن أي مشروع للسلام أو بناء الدولة لن ينجح إذا لم نواجه هذه الحقيقة وإذا لم نفتح النقاش بكل صدق عن جذور الخوف من الآخر عن أسباب رفضنا للشراكة عن أسباب حساسيتنا من الحديث في قضايا المواطنة والهوية والعدالة
ما نحتاجه اليوم هو شجاعة فكرية لا شجاعة مسلحة هو وعي يعترف بأننا جميعا ضحايا التنشئة الضيقة والخطاب المنغلق وأن ما نمارسه من اتهامات وإقصاء وكراهية ليس سوى تعبير عن خوف متراكم لا عن قوة وطنية حقيقية

لقد آن الأوان أن نسمي الأشياء بأسمائها وأن نراجع أنفسنا كمجتمع قبل أن نطالب السلطة بالإصلاح فالأفكار التي تتجذر في العقل الجمعي أخطر من القوانين التي تُكتب في الدساتير وحين نصل إلى اللحظة التي نقول فيها إن المختلف ليس خصما وإن المخالف ليس عدوا وإن الوطن يتسع للجميع حينها فقط يمكن أن نبدأ طريق الخروج من أزمتنا الطويلة ونضع أول حجر في بناء دولة المواطنة والعدالة والسلام

حول الموقع

سام برس