بقلم / عادل عبدالله حويس
نعيش في زمنٍ تحوّلت فيه القشور إلى جوهر والضجيج إلى خطاب والصورة إلى دين. زمنٍ لم يعد يُسأل فيه الإنسان "ماذا قدّمت؟" بل "كم لديك من المتابعين؟". لقد صرنا نستهلك الوهم كحقيقة ونبتلع الفراغ كامتلاء حتى باتت "التفاهة" عملة رائجة تُسكّ في سوق الأفواه والعيون وتُتداول بسرعة الضوء.
الحقيقة التي غرقت في بحر الشائعات
لم تعد الحقيقة ضالة المؤمن كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بل صارت ضحيةً في سوق النّخاسة الرقمي. كلّما ارتفع صوتٌ حكيم، انقضّت عليه جائحة من التّشويه والتّحريف.
صار "التريند" هو الحَكَم والخوارزمية هي التي تختار أيّ صوت يُسمع وكأنّما الحكمة صارت تحتاج إلى "هاشتاغ" لتصل.
الفيلسوف الذي يتحدّث عن معنى الحياة يُغرد فوقه "إنفلونسر" يبيع الوهم بوصفة تجميلية!
الحكمة تحت أنقاض الضحك الفارغ
لم يعد المقياس هو عمق الكلمة بل عدد "اللايكات" التي تجلبها.
صارت السّخرية من كلّ شيء موضة والضحك على الجادّين رياضة!
حتى إذا نطق أحدهم بكلمة حقّ، سُحقَت تحت وطأة الميمز والكوميكس.
لقد حوّلنا المعرفة إلى "تيك توك"، والحوار إلى تعليق سريع حتى صار الصّمت - في زمن الضجيج - أبلغ من ألف منشور.
أين يذهب أصحاب الرّسالات؟
هم هناك.. في الزوايا الخافتة بين الكتب القديمة وفي العيون التي تبحث عن بصمة لا عن بصمة إصبع!
هم من يكتبون كلماتهم بحبر القلب لا بحبر "الإنترنيت". قد لا تراهم الشاشات لكنّهم يبنون عالمًا موازيًا من المعنى حيث تبقى الكلمة حيّة حتى بعد أن تموت الترندات.
النّجاة في زمن الغرق
لكنّ الأمل يكمن في أن الإنسان - مهما امتلأ عالمه بالضجيج - يبقى كائنًا يبحث عن المعنى.
ستظلّ هناك قلوب تملؤها كلمة صادقة وعقول تثريها فكرةٌ عميقة.
قد نعيش في عصر التفاهة لكنّنا قادرون على أن ننحت في صخرهِ فراغاتٍ نزرع فيها بذورًا من نور.
فكما قال جبران: "لا تُبصِر المرءَ إلّا حين تكونُ لديك عينانِ قادرتانِ على الرؤية".
فلنكنْ نحن العيون التي ترى ما وراء الضجيج والأصوات التي تعلو فوقَ زمنِ اللّامعنى.



























