بقلم/القاضي الدكتور/ حسن حسين ال
في خضم الصراع، تبرز حقيقةٌ ساطعةٌ لا يمكن تجاهلها: صمود الشعب اليمني هو الحصن الذي أفشل كل مخططات العدوان.
لقد أغلق الشعبُ الأبواب الكبيرة في وجه الأعداء، لا بسياسات حكومية، بل بتضحيات جسام سُطرت في صفحات التاريخ. هذا الصمود هو رأس المال الحقيقي لهذا الوطن، وهو مصدر القوة الذي لم يستطع أحدٌ أن يقهره.
لكن، وبينما تشتد المعارك في الجبهات، تبقى جبهةٌ أخرى لا تقل خطورة، بل قد تكون المنفذ الأخير الذي يحاول العدو اختراقه: إنها الجبهة الاقتصادية. وفي قلب هذه الجبهة، تقبع قضيةٌ شائكةٌ لم تستطع الحكومة إيجاد حل لها حتى اليوم: ملف «المرتبات».
البعض قد يرى أن الحل معقد، وأن الإمكانيات محدودة، ولكن الحقيقة قد تكون أعمق من ذلك. فالعجز الحقيقي لا يكمن في قلة الموارد، بل في غياب الإرادة والإدارة السليمة التي تكبر بحجم المسؤولية. إن تجاهل هذه القضية ليس مجرد خطأ إداري، بل هو إهمال لمنفذ قد يسمح للعدو بالتوغل من جديد، بعد أن عجز عن تحقيق ذلك عسكريًا.
منظومة الحكم المتكاملة: دروس من نهج الإمام علي (ع)
لتدارك هذا العجز، لا بد من العودة إلى الأسس والمبادئ الحقيقية للحكم الرشيد. إن مهمة الحاكم لا تقتصر على جانب واحد دون آخر. لقد علمنا أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن منظومة الحكم متكاملة لا تقبل التجزئة. ففي وصيته لمالك الأشتر، لم يذكر "جباية خراجها" فقط، بل ربطها بمسؤوليات جوهرية لا يمكن فصلها: "جهاد عدوها، وعمارة بلادها، واستصلاح أهلها".
هذه المهام الأربع تشكل خارطة طريق للحكم، حيث لا يمكن تحقيق جباية عادلة إلا بجهاد يحمي الوطن، وعمارة تبني مستقبله، واستصلاح يرتقي بالإنسان. إن أي جباية للأموال لا ترتبط بهذه المبادئ تتحول إلى مجرد "إتاوة" تثقل كاهل المواطنين، وتفقد الحكومة شرعيتها في أعينهم.
الإرادة تصنع المعجزات: مقارنة بين الأداء العسكري والمدني
من يتعلل بعدم كفاية الموارد يتبنى خطاب العجز والفشل. ولنا في الجبهة العسكرية خير مثال. لقد استطاعت القوات المسلحة اليمنية، رغم محدودية إمكانياتها، أن تصمد في وجه عدوان لم يكن له مثيل، وأن تحقق انتصارات وإنجازات عسكرية متقدمة.
تخيلوا لو أن القوات المسلحة قد تعللت بنفس المبررات التي تتعلل بها الحكومة اليوم؟ هل كنا سنرى هذا النصر؟ بالطبع لا. هذه المقارنة الصارخة تكشف أن الإرادة القوية والإدارة السليمة هما مفتاح النجاح، وأنهما يغلبان أي نقص في الإمكانيات. إن حل قضية المرتبات لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة حقيقية وابتكار للحلول.
رسالة إلى حكومة البناء والتغيير: الأمانة مسؤولية والتاريخ لا يرحم
لقد مضى عامٌ كاملٌ على تشكيل حكومة البناء والتغيير، وما يزال الناس ينتظرون خطوات ملموسة. إن توجيهات السيد القائد واضحة، وهي دعوة للعمل الجاد والجاد فقط. هذا الشعب المجاهد، الذي قدم التضحيات الجسام، لا يستحق من حكومته إلا التكريم والوفاء.
إذا لم تستطع الحكومة أن تتحمل هذه المسؤولية، فباب الاستقالة مشرع ومفتوح. فكما قال السيد القائد، "هذا الشعب لا يستحق منا إلا التكريم"، وإن عدم القدرة على تحقيق تطلعاته يعد فشلاً لا يمكن تبريره. إن الاستقالة في هذه الحالة ليست نهاية المطاف، بل قد تكون أكثر شرفًا وأمانًا، لأنها تفتح المجال لمن هو قادر على الوفاء بهذه الأمانة العظيمة.



























