بقلم/ محمود كامل الكومي
حين نتأمل مسيرة القاضي الأمريكي فرانك كابريو الذي رحل عن عالمنا أمس ندرك أن العدالة ليست مجرد نصوص جامدة ولا قوانين تُرفع كسيوف على رقاب البشر، بل هي روح تتنفس رحمة، وتستوعب ظروف الإنسان قبل أن تُصدر أحكامها.

على مدى أكثر من أربعة عقود، قدّم هذا القاضي نموذجًا فريدًا للعدالة الرحيمة، حيث لم يكن القانون بالنسبة له قفصًا من حديد، بل كان فضاءً يتسع لفهم دوافع المخطئ، وظروفه الاجتماعية، ووقع بيئته عليه. لم ينظر إلى السارق مثلًا كـ"مجرم" مجرد، بل كإنسان ربما اضطره الفقر إلى مدّ يده لأنه لم يجد ثمن الغذاء.

في كل جلسة، كان فرانك كابريو يطبق روح القانون قبل نصه، ويجعل الرحمة ميزانًا للعدل. لم يكن منحازًا إلا لإنسانيته، ولم يتجرد إلا من الأهواء التي تحكم القضاة عادةً، إلا هواء الرحمة الذي ظل ينساب على منصة القضاء كنسيمٍ عليل. وهكذا تحولت قاعاته إلى دروس عملية تعلم الأجيال كيف يكون القاضي قاضيًا بحق.

لكن رحيله كان شاهدًا على مفارقة مريرة؛ فقد رحل وفي قلبه حزن على ميزان العدالة الذي اختل وان القانون الدولي في بلده امريكا قد زالت نصوصه من الوجود وساد قانون الغاب وأن جرائم الابادة الجماعيةلشعب غزة لم تجد من يردعها بعد ان زالت الرحمة وزاد سعار تجار الحروب .بل ان القوانين الوضعية في كثير من بلداننا العربية لم تعد تحمل روح القانون، بل تحولت إلى مقصلة. رأى – من بعيد – كيف يُسلط القانون على الجائع الذي سرق ليأكل، وكيف يُزجّ بالمنادي بالحرية في قفص الاتهام وكأنه ارتكب جريمة، بينما لا يُترك له إلا السجن لينزف حلمه في التحرر.

لقد قدّم فرانك كابريو درسًا بليغًا: أن القضاء لا يكتمل إلا حين يتجرد القاضي من قسوة النصوص ليمنحها الحياة بروح الرحمة. والعدالة لا تُبنى على الخوف والبطش، بل على الفهم والإنصاف.

رحل الرجل، لكن سيرته بقيت نداءً إلى قضاتنا في العالم العربي: أن يضعوا الرحمة في صميم عدالتهم، وألا يتركوا القانون سيفًا مجردًا بلا روح، لأن القانون بلا رحمة لا ينصف، بل يقتل.
محمود كامل الكومي
كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس