بقلم/ محمود كامل الكومي
في كل مرة يُفتح فيها الحديث عن جمال عبد الناصر ، يتسابق البعض إلى الطعن في تاريخه وتشويه إنجازاته.
يرمونه بالافتراء، ويحمّلونه ما لم يفعله ، بينما يتجاهلون عمدًا أن الرجل قاد مصر إلى استقلال سياسي واقتصادي حقيقي ، وحقق أعلى معدلات تنمية في تاريخها الحديث ، وناصر الفقراء ، وأرسى دعائم العدالة الاجتماعية ، وواجه الكيان الصهيوني مواجهة وجود لا حدود لها.
لكن اللافت للنظر ، أن هؤلاء الذين يزايدون على ناصر لا يجرؤون على نقد الحاضر، ولا يقتربون من رأس الحكم أو سياسات الحكومة الحالية. على العكس، نجدهم يفرشون السجاد الأحمر للنظام، ويزينون خطواته بأكياس النفاق، ويرسلون صُررًا تحوي أقلامًا لا تعرف إلا فنون الرقص الاستربتيزي على أوتار السلطة.
يغازلون المناصب ولو كانت هشة كالخيط الرفيع، يطمعون في موقع أو مغنم، حتى لو كان ثمنه التنازل عن ضمير الكلمة وحق الشعب في النقد والمحاسبة.
إن مهاجمة عبد الناصر ليست سوى وسيلة لتبييض وجه الحاضر وتبرير عجزه. فحين يفرغون من تسفيه مشروع الاستقلال والعدالة الاجتماعية، يبعثون برسالة غير معلنة إلى مافيا رجال الأعمال وأثرياء السلطة: أنتم وما بعدكم الطوفان. أما الشعب فليذهب دمه هدرًا، ولتبقَ حقوقه في خبر كان.
الخطاب واضح: من يعمل لأجل الإنسان ويقف إلى جانب الفقراء مكانه الماضي، ومن يملك المال والسطوة فهو الحاضر والمستقبل. وهكذا يُراد للشعب أن يُسلّم أمره، وأن يقتنع بأن الحياة لا تُعاش إلا في ظل فقر الدم وفقر الكرامة، وأن البقاء مرهون بطاعة من يعتصرون قوته ودمه.
لكن الحقيقة التي لا يريدون الاعتراف بها، أن الشعوب لا تموت بالطاعة، بل بالسكوت. والتاريخ لن يرحم من باع ضميره مقابل سلطة أو منصب، ولن يغفر لمن زيف وعي الأمة، وأحال معركة الحاضر إلى هجوم على رجل رحل منذ نصف قرن، لكن إرثه ما زال حيًا في وجدان الناس.
*كاتب ومحامي مصري



























