بقلم/ محمود كامل الكومي
لم يكن خبر البيان الإسرائيلي "الغريب"، بعد يومين من تحذير الرئيس عبد الفتاح السيسي للعدو ، سوى حلقة في مسلسل طويل بدأ منذ أن وقّع الرئيس أنور السادات اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978.
هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد تسوية سياسية أو محاولة لوقف نزيف الدم، بل كانت – في جوهرها – اعترافًا رسميًا بكيان الاحتلال، ومنحًا له لما عجز عن تحقيقه طوال عقود من الحروب.
في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، كانت مصر تمثل قلب الأمة العربية، ورايتها المرفوعة في مواجهة الاستعمار الغربي والصهيونية. لم تكن مجرد دولة إقليمية، بل قاطرة للعالم الثالث، وقبلة لحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لكن مع مجيء السادات، تبدّل الاتجاه.
فالرجل حمل مشروعًا مغايرًا؛ تحالف مع الولايات المتحدة، وانفتح على "العدو" الصهيوني، وسعى إلى دفن حلم القومية العربية الذي عاش من أجله الملايين.
اتفاقية كامب ديفيد لم تُخرج مصر من دائرة الصراع فحسب، بل فتحت الطريق أمام إسرائيل لتخطو خطوات واثقة نحو حلمها القديم: "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات". فما لم تستطع أن تفرضه في ميادين القتال، فرضته عبر التوقيع على الأوراق. لقد كانت مصر – بثقلها ومكانتها – الجائزة الكبرى، والاعتراف الذي طالما سعت إليه تل أبيب.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة لتقارب السادات مع دوائر الغرب والصهيونية العالمية، مدعومًا بعلاقات شخصية وإيديولوجية – وحتى أسرية(جيهان السادات ذات الاصول الانجليزية) – ساعدت على دفعه باتجاه هذا الخيار.
وهكذا، تحولت مصر من دولة مستقلة القرار، تضع مشروعها القومي نصب عينيها، إلى تابع للسياسات الأمريكية، حين صار فى روع السادات ان 99%من اوراق اللعب فى يد أمريكا.
بتحييد مصر عن الصراع، فُتح الباب واسعًا أمام مشاريع التفتيت في المنطقة: العراق حُطم بحروب متتالية واحتلال مباشر، سوريا استُنزفت في أتون المؤامرات والإرهاب، ليبيا قُصفت وأُغرقت في الفوضى، اليمن يئن تحت الحصار والحرب، ولبنان يعيش الانقسامات والحروب الأهلية.
إنها سلسلة مترابطة، بدأت من لحظة تراجع مصر عن دورها القيادي، وانهيار الحلم القومي العربي.. لذلك لم يفاجئنا البيان الإسرائيلي الأخير ، الذي جاء بعد تحذير السيسي لحكام العدو، ..وهو ما يوضح أن تل أبيب لا تزال تتصرف من موقع القوة المستندة إلى أدعاء الشرعية التي حصلت عليها عبر كامب ديفيد. فهو يذكّر بأن إسرائيل لم تعد تخشى التهديدات أو حتى التحذيرات العربية، لأنها تدرك أن البيئة الاستراتيجية التي صُنعت منذ كامب ديفيد جعلت مصر خارج معادلة المواجهة، ومكّنتها من فرض خطابها وأجندتها على المنطقة.
وبذلك يصبح هذا البيان مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل، بدأ منذ لحظة منح إسرائيل الاعتراف الأكبر عبر السادات، حين قدّم لها ما لم تحققه في أي حرب، وفتح الباب أمام مشروعها التوسعي الذي ما زلنا نعيش نتائجه حتى اليوم.وقد صدر في جو من الأحتفاء الكبير لحكومة العدو بالذكرى 47 لتوقيع كامب ديفيد.
وإذا كان عبد الناصر قد وقف سدًّا منيعًا أمام المشروع الإمبريالي – الصهيوني، فإن السادات قدّم لهم – على طبق من ذهب – ما لم يظفروا به في كل حروبهم.
فهل يعيد تحذير الرئيس السيسي ... الأمل في عودة الروح..؟
*كاتب ومحامي مصري



























