بقلم / عادل عبدالله حويس
في زمن تحتشد فيه القلوب بالدموع وتحفر الذكريات بحروف من نار في ضمير البشرية تبدو مواقف بعض قادة الأمس واليوم وكأنها محاولة ممنهجة لإجهاض زمن آخر يكتب نفسه بدماء أطفال ونساء ورجال لا ذنب لهم سوى أنهم وقفوا على أرضهم يطالبون بحقوق لم تمنح. ما نراه اليوم من مبادرات تقدم باسم السلام أو الوساطة، لكنه في جوهره مسار لعزل قضية وطنية — قضية شعب تحت الحصار والقتل — عن مسار الحرية والاعتراف والدولة، يثير الاستغراب والإدانة معاً.

لا أنكر أهمية الدبلوماسية والحلول السياسية المدروسة لكن عندما تشكل المبادرات الدولية من منظومات إدارية تعيد توزيع السلطة على أرض تفاوض على وحدتها ووجودها فإن المجتمع الدولي يضع غطاء قانونياً وأخلاقياً لمظاهر عملية سياسية لا تفضي إلا إلى تكريس واقع الاحتلال وتمييع حقوق الشعب الفلسطيني. وما يزيد الموقف إيلاماً أن تطرح أسماء ومقترحات تشير إلى إدارة خارجية طويلة الأمد كبديل عن دولة ذات سيادة وكرامة لشعب تحت القنابل والجوع.

في خضم هذه المشهدية يجب أن نسأل: هل نحن أمام مبادرة حيادية تهدف لإنهاء المعاناة أم أمام مشروع لصياغة واقع بديل يقتل فكرة الدولة ويجمد حلم الحرية؟ وما يجعل الجواب أقسى هو أن بعض الأصوات العربية الرسمية تبدو وكأنها تشارك في هذا المسار بقبول أو تواطؤ أو تقاطع مع نبض الشارع العربي الذي ينبض اليوم لغزة كقضية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية.

التاريخ لن يمحى لكنه يحمل حسابه. إن كانت مواقف بعض الدول أو القيادات قد صمتت أو انحرفت عن مسار العدالة فإن سطور التاريخ لن تمنحها بسهولة تبرئة ذمتها. الخيانة هنا ليست مجرد كلمة قاسية تقال في لحظة غضب بل وصف لما يحدث عندما تقدم تضحيات البشر كعملة سياسية للتفاوض على مصالح ومنافع دولية تبدو أهم من دماء تتساقط بلا رحمة.

إذا صح أن مبادرة تقدم اليوم باسم السلام لا تحتوي نصوصها على بند يقر بحق تقرير المصير أو الاعتراف بالدولة أو وصفت مقاومة شعب بمفاهيم تجرمها دون أن تجرم آلة القتل والتهجير فذلك ليس مجرد تقصير دبلوماسي بل تزوير أخلاقي لمسار الحل. كيف نفسر للأجيال أن تستخدم معاناة شعب بمفردات قانونية تتلاعب بالحقائق كي تنتج نتائج لا تشبه وجع الشارع ولا تليق بكرامة الضحايا؟

ليس من الضروري هنا أن نلوح بالأسماء أو نتهم تجاوزاً لكن من المؤلم أن تستخدم رموز سياسية لها تاريخ أطول من الحاضر المأزوم لتطرح كأدوات إدارة وسيطرة تحت ستار إعادة الإعمار أو إدارة فترة انتقالية مديدة. إسناد إدارة شؤون شعب إلى قوى خارجية لفترة ممتدة مهما بدت المبررات مقنعة هو إجهاض لتجربة التحرر والاستقلال واستسهال لطمس الأسباب الحقيقية للصراع.

الحدث ليس مجرد خلاف سياسي بين أطراف دولية وإقليمية بل مواجهة إرادات: إرادة شعب يطالب بكرامته وحقوقه وإرادة دولية تسعى لتقييد تلك الإرادة ضمن مظروف دبلوماسي يبدو محابياً للاحتلال وشريكا في تجيير السرد. حينها يصبح السؤال الأخلاقي البسيط أعظم من كل صياغات البيانات: من يملك الحق في تفسير تضحيات شعب؟ ومن له الحق أن يحول الدماء إلى أوراق تفاوض؟

الرسالة ليست استنكاراً لمبادرة أو رفضاً لصيغة بل نداء للصوت العربي الحر للنخب والمؤسسات والشعوب: لا تتركوا السرد التاريخي يكتب بدونكم. شهداء غزة ودماؤهم لن تستثمر لتشرعن حرمان الفلسطينيين من دولتهم. إن كانت المبادرات تهدف للسلام فلتكتب بنص يحمل الحق في الدولة والكرامة وتقرير المصير لا بنصوص تطمس هذا الحق تحت مسميات براقة وخدع دبلوماسية.

في النهاية.. التاريخ لا ينسى من وقف مع الحق أو من تخلى عنه. العرب الذين كانوا عبر التاريخ رموز تضامن وإنسانية أمام اختبار أخلاقي وسياسي: أن يختاروا أن يكونوا جزءاً من التاريخ لا خارجه وأن يمسكوا بزمام رواية شعب لا يملك إلا أملاً ودولة ليكونا خلاصه.

حول الموقع

سام برس