بقلم / عادل حويس
بينما تتداعى الفاشر آخر معاقل الإنسانية في دارفور وتسقط المدينة التي كانت رمزاً للحضارة والتجارة تحت وطأة المجازر المروعة والحصار الجائر يلف الصمت الرسمي العربي المشهد بكامل تفاصيله المؤلمة. فالعالم يشهد كيف يأكل السودانيون "الأمباز" - طعام الحيوانات - ليبقوا على قيد الحياة بينما تتدافع الجثث في الشوارع ويموت الأطفال جوعاً بين أحضان أمهاتهم.

إن المشهد العربي الرسمي يبدو غائباً تماماً وكأن السودان بمساحته الشاسعة وموقعه الاستراتيجي وتاريخه العريق قد طوي من ذاكرة الأشقاء.
فبينما تحذر الأمم المتحدة من "تصعيد مروع للنزاع" وتؤكد التقارير سقوط عشرات الضحايا على أساس عرقي في جريمة وصفها المراقبون بـ"التطهير العرقي" لا نسمع سوى أصوات خافتة تنطلق بين الحين والآخر تائهة في ردهات الدبلوماسية العربية الباردة.

إن هذا الصمت ليس بريئاً بل هو صمت مطبق يتجاهل حقيقة أن السودان يمثل بوابة إفريقيا إلى العالم العربي وسلة غذاء محتملة وعمقاً استراتيجياً لا يمكن تعويضه. إن تجاهل هذه الأزمة يعني تنازلاً طوعياً عن التأثير في أحد أهم البلدان العربية ويفتح الباب لقوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ. كما أن انهيار الاستقرار في السودان لن يبقى حبيس حدوده بل سيمتد إلى جيرانه في مصر وتشاد وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى مما يهدد الأمن القومي العربي برمته.

إن المبررات التي تقدمها بعض الدول العربية من انشغالات داخلية وتحالفات متشابكة وإرهاق من الأزمات المتتالية لا تعفي من المسؤولية التاريخية والأخلاقية. فالتاريخ سيسأل لا محالة: أين كانت الدول العربية عندما كان جيرانها يقتلون ويجوعون ويهجرون؟ أين كان الضمير العربي الرسمي عندما حوصر ثلاثمائة ألف شخص في الفاشر وحدها يعيشون في أوضاع مأساوية مع انعدام كامل للأمن؟

إن استمرار هذا الصمت يعني مشاركة في الجريمة وتخليا عن المسؤولية الإنسانية. فالضمير العربي لا يزال حياً في قلوب الملايين من العرب الذين يتضامنون مع إخوتهم في السودان، لكن هذا لا يكفي. آن الأوان لكسر جدار الصمت ورفع الصوت عالياً للمطالبة بوقف هذه المأساة الإنسانية. فدماء السودانيين ليست أرخص من دماء الآخرين وحقهم في الحياة لا يقل قيمة عن حق أي شعب آخر.
إن الخيانة ليست فقط في فعل الشر بل في الصمت عليه.

حول الموقع

سام برس