بقلم/ محمود كامل الكومي
صفقة القرن الجيوسياسية أم قفزة في المجهول؟
تتسارع التطورات على مسرح السياسة الدولية، حتى بات المشهد أقرب إلى إعادة رسم خرائط النفوذ لا مجرد تسويات عابرة.
فبعد تسريبات الخطة الأمريكية التي تمهّد لإعلان هزيمة أوكرانيا واعترافٍ عمليّ بانتصار روسيا، ومنح زيلينسكي مهلة أخيرة للقبول بالواقع الجديد، يثور السؤال الأخطر:
هل تستعد واشنطن لمنح موسكو “جائزة” في أوكرانيا، مقابل صمت روسي–صيني على غزوٍ وشيكٍ لفنزويلا؟
واشنطن… تطوي صفحة أوكرانيا وتفتح صفحة «حديقة الموز»
تتحرك الولايات المتحدة بحشود بحرية وجوية غير مسبوقة باتجاه أمريكا اللاتينية، وتحديداً فنزويلا، في وقت تظهر ملامح انسحاب سياسي من أوكرانيا. هذا التزامن لا يبدو بريئاً، خصوصاً إذا وُضع في إطار سياسة المقايضات الكبرى التي تتقنها واشنطن في لحظات التحول.
إن صحّت هذه القراءة، فنحن أمام أكبر مقايضة منذ نهاية الحرب الباردة:
اعتراف أمريكي بانتصار روسيا في أوكرانيا
مقابل إطلاق يد واشنطن لإسقاط نظام مادورو في فنزويلا.

إنها صفقة – إن تمت – تُعيد الولايات المتحدة إلى حديقة الموز التي طردها منها جيفارا وكاسترو، ثم أعاد إليها الروح شافيز ومن بعده مادورو.ومؤهرا الرئيس الكولومبي..وسيلفا في البرازيل.
الخطورة الحقيقية: تصفية اليسار اللاتيني
لن يكون سقوط فنزويلا مجرد تغيير في النظام السياسي، بل زلزالاً يضرب القارة بأكملها:
يسار أمريكا اللاتينية كان وما يزال من أقوى الأصوات المدافعة عن فلسطين.
كل حكومات اليسار وصفت إسرائيل بأنها كيان عنصري غاصب.
وهي القوى الوحيدة التي كسرت الهيمنة الأمريكية في النصف الغربي من العالم.
إن إسقاط مادورو يعني كسّر العمود الفقري لهذا التيار، وإعادة واشنطن إلى موقع السيادة الاستعمارية القديمة تحت غطاء «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان»، تماماً كما فعلت في العراق.فعاد العالم العربي قرنين للخلف،
هكذا تُنقذ واشنطن حكّام العرب من فضيحة فلسطين
أخطر ما في السيناريو ليس فقط غزو فنزويلا، بل الرسالة السياسية الموجهة للشرق الأوسط:
نجاح أمريكي في إسكات صوت اليسار اللاتيني سيُسقط آخر القوى الدولية المناصرة صراحةً لفلسطين.
وسيُعيد رسم المشهد بحيث تبدو واشنطن وحدها صاحبة الكلمة.
وهذا يمنح حكّام العرب غطاءً للانخراط أكثر في التطبيع، بعيداً عن الشعوب التي ترى في اليسار اللاتيني صوتاً عالمياً للحق الفلسطيني.
إنه تجميل للوجه الأمريكي القذر أمام الشعوب العربية، عبر القضاء على آخر من يفضحه.
الذاكرة تعود… حصار عبد الناصر
نفس السيناريو يتكرر:
حصار سياسي وإعلامي لعبد الناصر
مؤتمرات ومؤامرات لإسقاط مشروعه
ثم جاءت لحظة رحيله ليفتح الطريق أمام «الشرق الأوسط الأمريكي»
اليوم قد يتكرر المشهد مع مادورو وثوّار القارة.
والسؤال:
هل يتكرر التاريخ؟ أم ينهض اليسار اللاتيني كما نهض دائماً في وجه الأمبرياليةو الأستعمار.
هل تقبل موسكو وبكين؟ أم تنفجر المقاومة؟
حتى الآن لا شيء حاسماً. لكن كل الاحتمالات مفتوحة:
1. إذا اكتفت موسكو وبكين بالاعتراض اللفظي، فستجد واشنطن الطريق مفتوحاً لعملية عسكرية تطيح بفنزويلا وتفتح الباب لسلسلة تغييرات في القارة كلها.
2. أما إذا حوّل اليسار اللاتيني أي تدخل أمريكي إلى مقاومة شعبية واسعة، فستستنزف واشنطن في جبهات جديدة، خصوصاً أن الداخل الأمريكي يغلي:
احتجاجات متواصلة ضد دعم إسرائيل
غضب متصاعد بسبب المجازر في غزة
انقسام سياسي يزداد اتساعاً
وهذا ما يجعل أي مغامرة خارجية مقامرة خطرة قد تدفع أمريكا ثمنها داخلياً.
خاتمة: لحظة مفصلية في التاريخ
العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق:
إما صفقة أمريكية–روسية تُعيد مناخ الحرب الباردة إلى نقطة الصفر.
أو انفجار مقاومة لاتينية تكسر المخطط وتعيد التوازن الدولي
وفي الحالتين، فإن فلسطين ستكون في قلب المعركة، لأن مصير القوى المناصرة لها في أمريكا اللاتينية يرتبط مباشرةً بصمود فنزويلا.
إنها ليست مجرد حرب محتملة…
بل معركة على مستقبل العالم:
بين مشروع إمبراطوري يريد استعادة سطوته،
وحركة أمم حرة ما زالت تقاوم.

*كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس