بقلم/ مساعد الثبيتي
المخابرات عالمٌ آخر ؛ تسمع قصصه وتمرّ عليك حكاياته، وتعتقد من خلال مشاهدتك للأفلام أن معظمها مبالغة. وسط هذا الشك ، جاء برنامج «الصندوق الأسود» مع عمار تقي
كحالة استثنائية في الإعلام العربي، برنامج كسر مخفي بيوت الحكم وكشف، عبر ضيوفه، أسرارًا ظلّت لعقود حبيسة الغرف المغلقة. وللتقريب فقط، فإن الدول العظمى لا تكشف أسرارها ولا تفتح أرشيفها إلا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا وبقرار سياسي محسوب، بينما استطاع عمار تقي في العالم العربي أن يقوم بدور تعجز عنه حكومات، فجعل ما حدث قبل عقدين أو ثلاثة مادة متاحة للجميع.

كل ضيف يستضيفه يأتي بقصة، بسرّ، بوثيقة، برواية من داخل عالم لا يُسمح عادة بالاقتراب منه، ومن أراد أن يفهم مرحلة أُخفيت تفاصيلها عمدًا، فلن يجد أوضح من برنامجه. كل شيء مكشوف بلا تزييف، ولا يمكن تفضيل لقاء على آخر، إلا لقاءه مع حامد الجميلي، رجل المخابرات العراقي، الذي حسم الشك في ما يُنقل عن عمل الاستخبارات، وكشف حجم المبالغات التي صنعتها الأفلام، حتى لم يعد المشاهد يميّز بين ما يُقدَّم للإثارة وجذب الجمهور، وبين ما يجري في الواقع. ثم جاء لقاء رئيس الاستخبارات الأمريكية ليؤكد أن ما تقوم به أجهزة المخابرات في الحقيقة يفوق بكثير ما تصوّره هوليوود، وأن ما يُقدَّم في الأفلام لا يساوي شيئًا أمام ما يحدث فعليًا.

ورغم هذا التأثير والعمق، لم يشفع لعمار تقي أن يُحتضن في قناة عربية كبرى، بينما تُفتح الشاشات لأسماء بلا عمق ولا حضور ولا أثر. وقبل سنوات، ومع صعود وسائل التواصل، ظهر على BBC شاب اسمه أحمد فاخوري
@ahmad_fakhori
، ومن أول ظهور تدرك أنك أمام صحافي متمكن؛ في ربط الأحداث، وفي السرد، وفي والصوت، وفي الحضور. ورغم أن BBC ليست الأكثر مشاهدة عربيًا، انتشرت فقراته بين صغار العرب انتشارًا لافتًا، فالتقطته الجزيرة وانتقل إليها وأضاف كثيرًا، ولا يزال حتى اليوم بلا منافس حقيقي، لأن كل ما فيه يجذبك: صوته، طريقة انتقاله بين القصص، حركته، وقدرته على تحويل الجاف إلى محتوى جذاب ومشوق، فتشاهد قصة مفهومة وسلسة.

وعلى النقيض من ذلك، تحوّل الإعلام لدى كثيرين إلى مجرد تأدية واجب؛ نقل ما يحدث دون ربط، وعرض الخبر دون فهم، وتقديمه بأشخاص لا يملكون حضورًا يجعل المشاهد يبقى. أصبح “المتميز” هو من يصرخ أكثر ويقاطع أكثر، بينما يغيب الفهم والتأثير. الأخطر من ذلك أن إدارات إعلامية لا تدرك أن هناك نجومًا على وسائل التواصل تتجاوز مشاهداتهم في بوم واحد ما تحققه قنواتهم في يوم كامل رغم الفرق في مايدفع، ومع ذلك لا يستشعرون الخطر. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة خرجت قنوات لا يعرفها أحد، ولا تحمل مشروعًا حقيقيًا، هي مجرد تجمع أصدقاء، لا شيء فيها سوى طاولة يجلس عليها أشخاص"مذيعين" كانهم اجبروا على اذاعة الخبر، يبدأ اللقاء بـ“مرحبًا” وينتهي بـ“إلى اللقاء”.
ولاترى مايجذبك
الإعلام العربي لا يعاني نقص المواهب، بل يعاني من غياب الرقابة الجادة من الإدارات العليا على ما يُعرض، وأكبر مشكلاته أن الموظف قد يعمل عشر سنوات دون دورة تدريبية واحدة ليواكب تطور المهنة وما استجد عليها. والأخطر من ذلك أن تجد شخصًا ملمًّا بأخبار الطقس، ولأنه نجح فيها، يُسلَّم إدارة منصة أو قناة إخبارية، أو يُكلَّف بالإشراف على إنتاج أفلام عالمية.
الاعلام سوق ربحي غير مطروق وانظر مايدر اذا نجح ، لكن الكثير منه اعتمد على الدعم .
نقلاً من صفحة الكاتب - منصة اكس

حول الموقع

سام برس