سام برس
"وجه من الذاكرة": تمثّلات الهوية النسوية القطرية في التجربة التشكيلية المعاصرة ..
بقلم/ سمية زيدي
(***باحثة دكتوراه في جماليات الفنون وممارساتها)

يُعدّ الفن التشكيلي في قطر مجالًا خصبًا لتحولات جمالية وثقافية تعكس وعي المجتمع الحديث بذاته، وتعيد قراءة مكوّناته الرمزية عبر لغة بصرية متجددة. ومن بين أبرز هذه المكوّنات تتجلى الهوية النسوية القطرية بوصفها عنصرًا حضاريًا فاعلًا، لا يتم تمثيله بصريًا في إطار التوثيق أو التسجيل فحسب، بل داخل رؤية فلسفية تُعيد مساءلة مفهوم الهوية ذاته.
و الفنان خالد بو مطر المهندي فنان قطري متعدد الوسائط. يعد من أبرز الفنانين في مشهد الفن المعاصر القطري والعربي، يعمل عبر مجموعة واسعة من الوسائط، مدمجة بين الفنون البصرية والرقمية. يتميز نهجه الفني بكونه متعدد التخصصات متجاوز الحدود التقليدية للوسيط، استلهم المهندي منذ بداياته رسم الوجوه، وهو أحد أصعب مجالات التعبير الفني، إذ تتطلب الوجوه قدرًا كبيرًا من الإحساس والوعي العاطفي ليحوّلها الفنان إلى لغة بصرية مؤثرة كما تتفرد أعماله بتوظيف التقنيات الرقمية المتقدمة منذ أكثر من عقد، ما يجعله من الفنانين السبّاقين في هذا المجال.
ويأتي عمله «وجه من الذاكرة»، المعروض ضمن معرض «رؤية بعناوين مختلفة» بمركز كتارا للفنون مبنى 5 بالمؤسسة العامة للحي الثقافي، ليشكّل نصًا بصريًا ثريًا يمكن قراءته ضمن منظور جمالي–سيميائي يشتبك مع الذاكرة الفردية والجمعية في آن واحد.
اللوحة «وجه من الذاكرة» تقدّم بورتريه امرأة قطرية محجبة ترتدي «البطولة»، ويهيمن على المشهد وجهها بعيون واسعة، تتأمل بصمت رزين وثقة هادئة، كأنها شاهد على مرور الزمن وتغيراته، وكأنها في حالة تأمل وجودي مستمر بين الحاضر والذاكرة. اللافت أن البورتريه والخلفية ضمن طيف لوني واحد مستمد من الطبيعة، ويهيمن عليه اللون الأخضر بعمقه المختلف، ليصبح اللون هنا لغة فلسفية تتجاوز مجرد الإشارة إلى الأرض أو الخصوبة، بل ليجسد الصمود والتمسك بالهوية، والارتباط العميق بالتراث والعادات، حتى في عالم تتسرب إليه تغيّرات سريعة، تبدو كطبقات من الواقع المراوغ الذي يختبر ثبات الذات. اللوحة تتجاوز البورتريه التقليدي في تمثيل الوجه والملامح، لتصبح مساحة لتجربة حسّية وفلسفية. في هذا الإطار، يصرّح الفنان:"لم يكن الهدف تقديم الملامح الوجهية، بل إيصال إحساس بصري تتطوّر فيه الخطوط إلى إيقاع داخلي، وتتحوّل فيه الألوان إلى لغة صامتة تستحضر هوية المرأة القطرية كما أشعر بها، لا كما تبدو".
يعكس هذا التصريح بوضوح أن اللوحة ليست مجرد تصوير موضوعي للمرأة القطرية، بل هي تجربة تشكيلية متكاملة تعتمد على الإيقاعات اللونية والفراغ والضوء لنقل الهوية، الصمود، والتمسك بالتراث. ومن خلال هذه الرؤية، يربط الفنان إحساسه الشخصي بالبعد الجمالي والفلسفي للعمل، مؤكدًا على دور المرأة القطرية كفاعل حضاري مستمر في مواجهة التحولات والتغيرات الفكرية والاجتماعية.
المادة التي تشكّلت بها اللوحة تتحول إلى إيقاع بصري لوني حيّ، حيث تتداخل ضربات الفرشاة ومساحات الأكريليك لتخلق شبكة ديناميكية من الألوان المتدرجة، تتراقص بين الثبات والتحوّل، بين الوهم والحقيقة. هذه البنية اللونية لا تكتفي بإظهار الشكل، بل تولد حركة إدراكية داخل اللوحة، وكأنها نبض بصري يوجّه العين في رحلة استكشافية دقيقة، تشبه التعامل مع شاشة أو بيكسل نتحكم فيه بالتصغير والتكبير لنستقصي أدق التفاصيل.
هذا الإيقاع اللوني يُحوّل المشاهدة إلى تجربة تشكيلية–تأملية، حيث تصبح المادة نفسها واللون والخط والفراغ وسيطًا للمعنى وأدوات لسرد فلسفي في مواجهة تداعيات التغيرات والضغوط التي تفرضها العولمة على الإدراك البشري، مقابل ثبات المرأة القطرية، وتمسكها بجذورها وتراثها، وصمودها الثقافي والفكري. اللون الأخضر هنا، ومسارات الفرشاة الدقيقة، والإيقاعات اللونية المتناغمة، لا تعكس الأرض والخصوبة فقط، بل تصبح لغة تشكيلية فلسفية تنقل الاستمرارية، والتشبث بالهوية، وتحوّل اللوحة إلى نص بصري يفتح آفاقًا متعددة للتأمل في العلاقة بين الذات والزمن والمجتمع.
في هذا السياق، تعكس اللوحة فلسفة الفنان خالد بو مطر المهندي في مواجهة تغيرات العصر التي تهيمن على ذهن المرأة، العولمة التي تشوه الواقع، التصوير المبالغ، زمن التغيرات السريعة، والإيحاءات المستمرة التي تدفع نحو إعادة تشكيل الذات. ومع ذلك، تُظهر المرأة القطرية في اللوحة أنها قادرة على الثبات والتشبث بالهوية والجذور الثقافية، فتجمع بين حضورها الحداثي في الواقع النفسي والزمني وبين التزامها بالتراث، لتصبح اللوحة مساحة للتأمل في الصمود الذهني والثقافي، وحوار بين الذات والواقع والذاكرة.
المرأة في اللوحة، رغم كل ما يمكن أن يشكّل ضغطًا للتغير في زمن المظهر والإيحاءات العابرة، تبقى متجذّرة في أرضها، متمسكة بتراثها، صلبة في وعيها الذاتي، ومؤكدة على حضورها الثقافي والاجتماعي. اللون الأخضر هنا، أكثر من كونه عنصرًا جماليًا، يتحول إلى رمز للخصوبة والقوة والتشبّث بالهوية، والخطوط الدقيقة والإيقاعات اللونية تعكس انسجامًا داخليًا، كأن اللوحة نفسها تقول إن التغيّر ممكن، لكن الجذور لا تُقتلع. وهكذا تتحول اللوحة إلى نص بصري–فلسفي، حيث تصبح المرأة القطرية ليست مجرد موضوع للنظر، بل فاعلًا إدراكيًا وحضاريًا يثبت جذوره في الأرض والذاكرة، رغم كل التغيرات الفكرية والاجتماعية والرقمية.
إن «وجه من الذاكرة» لا يعرض المرأة بوصفها صورة يتم النظر إليها من الخارج، بل باعتبارها طرفًا مشاركًا في إنتاج المعنى. فاللقاء البصري بين المتلقي والمرأة داخل اللوحة يكشف عن مساحة حيّة يتبادل فيها الطرفان الإدراك والمعرفة. وهنا يبرز البعد الإنساني العميق للعمل، حيث تتحول الهوية النسوية إلى صوت بصري يعبر عن ذاته بوعي ثقافي راسخ، وإلى حضور حضاري مستقر يعكس ثقة المرأة القطرية بذاتها وموقعها داخل المجتمع.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن خالد بو مطر المهندي يقدّم عملًا فنيًا يتجاوز حدود البورتريه التقليدي، ليصبح وثيقة جمالية ومعرفية تعكس وعي الفن القطري المعاصر بدور المرأة في صياغة الذاكرة الجمعية. فاللوحة ليست مجرد احتفاء بصري بالزي التراثي أو الملامح الأنثوية، بل هي تجربة تأملية في معنى الحضور والهوية والإنسان، حيث تلتقي الذاكرة بالحداثة، والذات الفردية بالوعي الجمعي، في نص بصري شديد الحساسية والدقة. وهكذا يظل «وجه من الذاكرة» شاهدًا على قدرة الفن على إعادة تشكيل الوعي الثقافي، وعلى منح الهوية النسوية القطرية موقعها الطبيعي بوصفها فاعلًا حضاريًا مشاركًا في بناء المعنى والجمال معًا.

يمثّل العمل الفني خطابًا بصريًا يتجاوز البورتريه التقليدي نحو تشكّل دلالي مركّب للهوية النسوية القطرية. فاللوحة لا تهدف إلى إعادة إنتاج الملامح الواقعية، بل تعالج الوجه كـ سطح سيميائي متداخل فيه مستويات الإدراك والذاكرة والوعي الثقافي، حيث تصبح المرأة القطرية فاعلًا حضاريًا إيجابيًا يسهم في صياغة الوعي الاجتماعي والثقافي. توضح هذه الرؤية الانتقال من المحاكاة البصرية التقليدية إلى الإدراك التجريبي والشعوري؛ فالخطوط تتحوّل إلى إيقاعات بنيوية تعبّر عن حيوية الداخل، فيما تصبح الألوان لغة صامتة تنقل حضور الهوية النسوية القطرية عبر الحسّ والإحساس، لا عبر التمثيل الحرفي.

يمكن القول إن خالد بو مطر في «وجه من الذاكرة» يقدّم نصًا بصريًا متماسكًا يربط الفلسفة الجمالية وسيميائيات الصورة ونظريات الإدراك، ليؤكد أن الهوية النسوية القطرية حضور حضاري واعٍ ومتجذر، يشارك في صناعة الثقافة والمعنى الجمعي. بذلك تتحول اللوحة إلى وثيقة جمالية ومعرفية تعكس وعي الفن القطري المعاصر، مع تأكيد الدور المحوري للمرأة القطرية في استدامة هذا الوعي، وترسيخ قيم الانتماء وحفظ التراث بوصفه امتدادا حيا للهوية الوطنية.

حول الموقع

سام برس