سام برس
في أمسية افريقية ستبقى محفورة في ذاكرة كرة القدم بالقارة السمراء اسدل الستار على كاس امم افريقيا بتتويج المنتخب السنغالي باللقب عن جدارة واستحقاق في بطولة لم تكن مجرد منافسة رياضية عابرة بل ملحمة انسانية وتنظيمية وكروية متكاملة امتزجت فيها المتعة بالاثارة والفرح بالحسرة والانتصار بالدموع لتقدم واحدة من اكثر النسخ ثراء وعمقا في تاريخ المسابقة.

السنغال بقيادة نجمها ساديو ماني عرفت كيف تحول الاخفاقات السابقة الى دافع وكيف تستثمر خبرتها المتراكمة لتبلغ منصة التتويج بثبات وثقة فقد ظهر اسود التيرانغا بروح جماعية عالية وانضباط تكتيكي واضح عكس نضج جيل امن بان المجد لا يمنح بل ينتزع بالصبر والعمل وكان النهائي تتويجا لمسار طويل من الاصرار حيث جسد اللاعبون معنى القائد الحقيقي الذي يعرف كيف ينهض بعد الانكسار ليقود زملاءه نحو لحظة الخلود.

في المقابل قدم المنتخب المغربي بطولة كبيرة على المستويين الفني والذهني مؤكدا انه بات رقما صعبا في معادلة الكرة الافريقية فقد ابان اسود الاطلس عن شخصية تنافسية قوية ودفاع صلب قاده الحارس المتالق ياسين بونو الذي خطف الاضواء بتدخلاته الحاسمة واثبت مرة اخرى انه احد افضل حراس القارة بل والعالم ورغم مرارة الاقصاء الا ان دموع اللاعبين والجماهير كانت عنوانا للفخر اكثر مما هي عنوان للحزن لما حمله الاداء من روح قتالية وشرف المنافسة حتى اللحظة الاخيرة.

ومع ان نتائج المباريات تظل جزءا اساسيا من ذاكرة البطولات الا ان القصة الاوسع والابقى في هذه النسخة كانت قصة المغرب المنظم والمضيف فمنذ انطلاق البطولة في 21 ديسمبر 2025 وحتى اسدال ستارها في 18 يناير 2026 قدمت المملكة نموذجا افريقيا متقدما في التنظيم المحكم والادارة الاحترافية والجاهزية اللوجستية العالية متحدية ظروفا مناخية وتحديات تنظيمية معقدة لتحولها الى فرصة لابراز قدرتها على استضافة اكبر التظاهرات الرياضية بمعايير تضاهي كبريات البطولات العالمية.

المدن المغربية التي احتضنت المنافسات اظهرت تناغما لافتا بين البنية التحتية الحديثة وجودة الملاعب وسلاسة التنقل وحسن الاستقبال في مشهد عكس رؤية واضحة واستثمارا طويل الامد في الرياضة والشباب ولم تكن البطولة حدثا رياضيا فحسب بل مهرجانا ثقافيا وانسانيا عكست فيه الجماهير المغربية اسمى معاني الضيافة وهي تحتضن مختلف المنتخبات الافريقية وجماهيرها بروح اخوية صادقة اكدت ان كرة القدم قادرة على توحيد الشعوب قبل ان تفرقها النتائج.

كما تركت هذه الاستضافة ارثا تنمويا سيستمر اثره لسنوات سواء من خلال المنشات الرياضية المتطورة او تحسين الخدمات والبنى التحتية ما يعزز مكانة المغرب كوجهة رياضية قارية ودولية ويمنح الاجيال القادمة فضاءات اوسع لممارسة الرياضة وتحقيق الطموحات.

وفي ختام هذه البطولة الاستثنائية قد يذهب الكاس الى السنغال وقد تظل الحسرة حاضرة في قلوب المغاربة والعرب لكن ما هو مؤكد ان افريقيا كلها خرجت فائزة فبين روح رياضية راقية تبارك المستحق وتستنكر السلوكيات غير الرياضية والتصرفات المشينة التي شابت بعض اللحظات يبقى الجوهر هو صورة قارة قادرة على التنظيم والابداع والتنافس بشرف لقد رفعت هذه النسخة سقف التوقعات واعادت تعريف معايير النجاح القاري لتؤكد ان افريقيا حين تتاح لها الفرصة قادرة على ان تفرض احترام العالم وتكتب قصتها باقدام لاعبيها وعقول منظميها وقلوب جماهيرها.

حول الموقع

سام برس