بقلم/ القاضي / حسن حسين الرصابي
في لحظات التجلي والوقوف بباب المولى عز وجل، تنساب الكلمات من فيض الوجدان لتغسل أدران النفس وتجدد العهد مع الخالق. يطل علينا القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي بنفحاته الإيمانية الجديدة، صاغها في "منظومة التضرع والرجاء". وهي قصيدة تأتي كمرآة تعكس محاسبة الذات، وتجسد معاني الاستغفار الشامل الذي لا يقف عند حدود اللسان، بل يمتد ليشمل الفكر، والقلم، والسعي، والموقف.
هذا النص هو امتداد طبيعي لروحية مؤلفات الدكتور الرصابي التي أثرت المكتبة الإسلامية (مثل سلسلة "في رحاب الحبيب المصطفى" و*"الحقوق والحريات في الإسلام"*). نصٌّ يجمع بين جزالة اللفظ وصفاء المقصد، نضعه بين يدي القارئ الكريم:
مَنْظُومَةُ التَّضَرُّعِ وَالرَّجَاء
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ صَمْتِي وَمِنْ وَجَلِي ... إِنْ لَمْ أَقُلْ كَلِمَةَ الإِصْلَاحِ فِي العِلَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ عُجْبٍ يُخَامِرُنِي ... عِنْدَ البَيَانِ وَعِنْدَ السَّبْكِ لِلجُمَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ فِكْرٍ يَمِيلُ بِيَ ... نَحْ نحو القُنُوطِ وَحَبْلُ اللهِ لَمْ يَزَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ دَمْعٍ جَرَى طَمَعاً ... فِي غَيْرِ وَجْهِكَ يَا مَوْلَايَ فِي الأَزَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ حِبْرٍ سَكَبْتُ لَهُ ... غَيْرَ النَّصِيحَةِ لِلإِسْلَامِ فِي العَمَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ رِجْلِي إِذَا سَعَتْ ... لِغَيْرِ بَابِكَ فِي نُسْكِي وَفِي نَفَلِي
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ وَقْتٍ مَضَى سَفَهاً ... لَمْ يَرْتَفِعْ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ فِي القُلَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ شَحٍّ يُقَيِّدُنِي ... عَنْ نُصْرَةِ الحَقِّ بَيْنَ الخَلْقِ وَالدُّوَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ جَهْلٍ بِقُدْرَتِهِ ... وَمِنْ رُكُونٍ لِأَهْلِ الزَّيْغِ وَالدَّجَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ ظَنِّي بِأَنَّ لِيَ ... شَيْئاً مِنَ الأَمْرِ أَوْ حَظّاً مِنَ الخَوَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ عَدَّ الرِّيحِ إِذْ عَصَفَتْ ... وَعَدَّ مَا حَمَلَتْ مِنْ نَبْتَةِ الجَبَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِلْءَ الأَرْضِ قَاطِبَةً ... وَمِلْءَ كُلِّ سَحَابٍ جَادَ بِالوَشَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعْدَادَ الحُرُوفِ إِذَا ... خُطَّتْ لِتَكْشِفَ زَيْفَ الغَدْرِ وَالحِيَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ تَوْبَاً يَسْتَقِيمُ بِهِ ... عِوَاجُ نَفْسِي عَنِ الأَهْوَاءِ وَالزَّلَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مَنْ يَرْجُو إِجَابَتَهُ ... قَلْبٌ كَسِيرٌ نَأَى عَنْ مَوْطِنِ الوجَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ تَقْدِيساً لِعِزَّتِهِ ... عَنِ الشَّرِيكِ وَعَنْ نَقْصٍ وَعَنْ مَلَلِ
* أَسْتَغْفِرُ اللهَ مَا لَاحَ الضِّيَاءُ لَنَا ... مِنْ نُورِ طَهَ شَفِيعِ الخَلْقِ فِي الوَهَلِ
* يَا رَبِّ فَانْصُرْ كِتَاباً قَدْ أَرَدْتُ بِهِ ... وَجْهَ الرَّسُولِ بِلَا مَيْنٍ وَلَا دَخَلِ
* وَارْزُقْ لِقَارِئِهِ نُوراً يَعِيشُ بِهِ ... بَيْنَ البَرَايَا بِلَا خَوْفٍ وَلَا خَجَلِ
* ثُمَّ اخْتِمِ العُمْرَ يَا مَوْلَايَ فِي نُزُلٍ ... مَعَ النَّبِيِّينَ فِي خَيْرٍ مِنَ النُّزُلِ

خاتمة:
بهذه التضرعات الصادقة، يختتم الدكتور الرصابي منظومته، سائلاً الله حسن الختام والرفعة مع النبيين والصالحين، وواضعاً نصب عينيه نصرة الحق وخدمة الرسالة المحمدية.

إن مثل هذه الأعمال الأدبية لا تكتفي بجمال الإيقاع، بل تزرع في القلوب بذور الأمل والعودة الحميدة إلى رحاب الله، مؤكدة على دور المثقف والفقيه في إحياء القيم الروحية والمسؤولية الأخلاقية في نفوس المجتمع.

حول الموقع

سام برس