بقلم/محمود كامل الكومي
في تجربة المهجر، لا يكفي أن يحمل الأديب حقيبته ويغادر، بل عليه أن يحمل وطنه في اللغة، وأن يصوغ حضوره في فضاءٍ مختلف بثقةٍ ووعي. وهنا تتجلى تجربة الدكتورة أسمهان بدير بوصفها نموذجًا لامرأة عربية لم تكتفِ بالحنين، بل حوّلته إلى مشروع ثقافي متكامل.

من باريس ، لم تكن مجرد شاعرة تكتب عن الأرز والجبال والذاكرة، بل كانت جسرًا حيًا بين ثقافتين. أسست دار نشر، وأسهمت في نقل الصوت العربي إلى القارئ الغربي، محاولةً تصحيح الصورة النمطية وتقديم وجه حضاري متوازن للثقافة العربية. فالمهجر عندها لم يكن عزلة، بل مساحة اشتباك حضاري راقٍ.

شعرها يحمل وجع الحروب، لكنه لا يغرق فيه؛ ويعبر عن الغربة، لكنه لا يستسلم لها. في نصوصها حضور إنساني واضح، يتجاوز التصنيفات الضيقة، ليؤكد أن الأدب قضية إنسان قبل أن يكون قضية نوع أو جغرافيا. أما على الصعيد المهني والاجتماعي، فقد جسدت حضورًا نسائيًا فاعلًا في مؤسسات ثقافية واجتماعية بأوروبا، مؤكدة أن المرأة العربية قادرة على التأثير وصناعة القرار.

تجربة أسمهان بدير في المهجر ليست مجرد تجربة شعرية، بل تجربة وعي وهوية ومسؤولية. إنها نموذج للمثقف الذي لا يكتفي بأن يعيش في الغرب، بل يسعى لأن يُعرّف الغرب بنا، لا كما يُراد لنا أن نُرى، بل كما نحن حقًا.

*كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس