بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
مع إشراقة أنوار شهر رمضان المبارك، تتوجه القلوب والأنظار نحو المصاحف، طلباً للقربى والزلفى من الله تعالى. ولأن القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الخالدة، فإن تلاوته ليست مجرد طقس تعبدي عابر، بل هي رحلة إيمانية متجددة. غير أن كثيراً من المسلمين قد يغفلون عن عظيم منافع القرآن، ويحصرون مقصدهم في تحصيل الأجر والثواب فحسب، متناسين أن القرآن "منهج حياة" شامل.
إن القاعدة الذهبية التي سار عليها سلفنا الصالح هي أن "النية تجارة العلماء"؛ فبالنية الذكية المتعددة، تتحول القراءة من "عادة" إلى "بوابة فضل" لا حدود لها. وانطلاقاً من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، أذكر نفسي وإخواني بأن نستحضر هذه النوايا العظيمة عند فتح المصحف:
أولاً: القرآن طريق العلم والعمل والتربية
لا تكتفِ بالمرور على الحروف، بل اقرأ بنية العلم والعمل بما تقرأ، وبنية أن يهديك الله ويصلح ذريتك وأهل بيتك. اجعل نيتك أن يخرجك الله بهذا الكتاب من ظلمات الجهل والضلال إلى نور اليقين، وأن يرفعك به درجات، ويزيد في إيمانك، امتثالاً لأمر الله تعالى بالترتيل، وتنفيذاً لوصية نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: "تعاهدوا هذا القرآن".
ثانياً: القرآن شفاء للروح وحصن للبيت
القرآن هو العلاج الأنجع لقسوة القلوب ووساوس الصدر؛ لذا اقرأه بنية الاستشفاء من الأمراض الظاهرة والباطنة، وبنية أن يطهر الله قلبك ويمنحه السكينة. هو الحصن الحصين لصرف الحسد والعين وإبطال كل سوء أو مس، وهو الجلاء للأحزان والذهاب للهموم والغموم، فاجعله أنيسك لتقضي به حاجاتك وتستجاب به دعواتك.
ثالثاً: القرآن حبل الوصل مع الخالق ومجاهدة النفس
تذكر وأنت تتلو الآيات أنك في حالة مناجاة مع ملك الملوك، وأن النظر في المصحف وحده عبادة. اقرأ لتكون من "أهل الله وخاصته"، وبنية نيل الخيرية والفضل، وحتى يكون "ريحك طيباً" كالأترجة، وتشغل نفسك بالحق فلا تشغلك بالباطل، مجاهداً بذلك النفس والشيطان والهوى.
رابعاً: القرآن ذخرٌ للمآل ونور في القبر
إن أثر هذه التلاوة يمتد إلى ما بعد الحياة؛ فانوِ بقراءتك أن يكون القرآن أنيساً لك في قبرك، ونوراً على الصراط، وشفيعاً لك يوم الزحام. اقرأ لترتقي في درجات الجنة، وبنية أن تُلبس تاج الوقار وتكسو والديك حلتين لا تقوم لهما الدنيا، ولتنجو من النار وعذاب القبر.
خاتمة المقال:
إن استحضار هذه النوايا قبل البدء بالتلاوة هو الذي يصنع الفرق بين قراءةٍ "تتجاوز الحناجر" وقراءةٍ "تغير الواقع". إنها التجارة المضمونة الرابحة التي لا تعرف الكساد، فليكن رمضان هذا العام محطة للتغيير الجذري، نتأدب فيها بأخلاق القرآن، ونستنير بهداياته، ليكون لنا حجاباً من النار، وقائداً إلى رضوان الله وجنته.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يقرأ القرآن فيرقى، ولا يجعلنا ممن يقرأه فيشقى.
*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني بالجمهورية.



























