بقلم/ محمود كامل الكومي
في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، يتردد خطابٌ رسميٌّ عربي يُدين إيران بزعم استهدافها سيادة دول الخليج غير أنَّ السؤال الذي يفرض نفسه: هل الاستهداف موجهٌ إلى الدول ذاتها، أم إلى القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على أراضيها؟
الواقع المعلن أن في عدد من دول الخليج والعراق والأردن قواعد عسكرية أمريكية تُعد جزءًا من المنظومة الهجومية للولايات المتحدة في المنطقة.
هذه القواعد – شئنا أم أبينا – تجعل أراضي تلك الدول جزءًا من مسرح الصراع الدولي، لا سيما في لحظات الاحتقان بين واشنطن وطهران.
والدولة الخليجية الوحيدة التي لا توجد بها قاعدة أمريكية هي سلطنة عمان، وهو ما يجعلها خارج هذا الاشتباك المباشر من زاوية الوجود العسكري الأجنبي.
حين تُدان طهران على أنها (تستهدف سيادة الدول)، دون توضيح أن خطابها يعلن استهداف القواعد الأمريكية تحديدًا، فإننا أمام أحد احتمالين:
إما تبسيطٌ مخلٌّ بالوعي العام،
أو توظيفٌ سياسي يخدم رواية العدو .
الشعوب العربية – بما فيها شعوب الخليج – لم تعد تتلقى البيانات الرسمية بوصفها حقائق مطلقة. فوعي الناس اليوم أكثر اتصالًا بالمصادر المتعددة، وأكثر إدراكا لتعقيدات المشهد الإقليمي. ولذلك فإن تجاهل الفارق بين (لدولة) والقاعدة الأجنبية على أرضها يُعد خللًا سياسيًا في صياغة الخطاب، وربما خللًا أخلاقيا إن كان القصد هو تمرير سردية تخدم اصطفافًا ضد إيران.
السيادة في معناها القانوني تقتضي السيطرة الكاملة على الأرض والقرار. غير أن وجود قواعد عسكرية أجنبية – باتفاقيات دفاع مشترك – يفتح بابًا لسؤال أعمق:
هل تتحول الأرض إلى نقطة اشتباك بالوكالة؟
وهل يصبح الرد على تلك القواعد اعتداءً على الدولة أم على الطرف الذي يديرها؟
الواضح أنها منصات عدوان يجب استهدافها.
لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. فالتصعيد مع إيران يخدم – في بعض مراحله – إعادة ترتيب الاصطفافات الإقليمية، ودفع العواصم العربية نحو خطاب أكثر حدة ضد طهران، وهو ما يخلق بيئة تخدم الرؤية الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي مطروحًا على النخب الحاكمة:
هل من الحكمة الاكتفاء بلغة الإدانة التقليدية؟
أم أن احترام وعي الشعوب يقتضي مكاشفة صريحة: نحن ندين أي مساس بأراضينا، لكننا نُقر بأن وجود قواعد أجنبية يجعلنا جزءًا من معادلة صراع لا نملك كل مفاتيحها؟
الناس لا تطلب من حكامها الاصطفاف مع العدو الصهيو أمريكي ..فالرؤية واضحة أمام الشعوب أن سقوط ايران يعني انهيار حائط الصد عنها . لذا فهي تطلب وضوحًا في الخطاب.
فالمعركة اليوم ليست فقط صواريخ ومسيرات، بل معركة روايات أيضًا.
ومن يخسر روايته أمام شعبه يخسر ثقةً لا تعوضها بيانات الإدانة.
في النهاية، لايجب أن تختلف المواقف من إيران .
إنما من الولايات المتحدة و من إسرائيل فمن لم يجد منهما عدو الوجود فقد صار كالدبة التي قتلت صاحبها.
و يبقى الثابت أن الشعوب العربية أصبحت أكثر قدرة على التمييز بين استهداف دولةواستهداف وجود عسكري أجنبي على أرضها.
بل ومن هو الصديق ومن هو عدو الوجود .
واحترام هذا الوعي ليس ترفًا سياسيًا… بل ضرورة لاستقرار أي نظام في زمنٍ لم يعد فيه الصوت الرسمي هو الصوت الوحيد.


























