بقلم/ محمد الدلواني
لم يكن مشهدا عابرا، ولا لقطة يمكن تجاوزها بسهولة مشاهدة امرأة تقف بجوار الطريق، بملامح أنهكها التعب، تمسك بيد عصا ترعى بها قطيعا من الغنم ، وبالأخرى تفتح اكياس براميل القمامة، تفتشها، وتفرغ ما فيها من بقايا طعام لتقدمه كطعام لأغنامها.
وبالنسبة لي في تلك اللحظة ، لم يكن الألم في المشهد وحده لأنه لم يكن المشهد الأول، بل فيما يحمله من دلالات أعمق متمثلا في أن يصل الحال بإنسان إلى أن يجعل مخلفات القمامة مصدرا للغذاء، ليس له فقط، بل لماشية يعتمد عليها في رزقه وستكون يوما ما طعاما للكثيرين بكل ما تحمله من أمراض ، فهذه ليست مجرد صورة فقر، بل انعكاس لواقع مختل، اختلت فيه الأولويات وغابت فيه المسؤوليات.
تلك الأغنام التي كانت تلتهم بقايا الطعام المختلطة بمخلفات الاطعمة والبلاستيك والمواد الفاسدة، لم تكن تدرك أنها ستتحول تدريجيا إلى مصدر خطر، ليس على نفسها فحسب، بل على الإنسان أيضا.
فأمراض تنتقل، وسموم تتراكم، وسلاسل غذائية تختل، لتصل في النهاية إلى موائدنا دون أن نشعر.
إن ما شاهدته لم يكن تصرفا فرديا يمكن لوم صاحبته عليه، بل نتيجة طبيعية لغياب منظومة كاملة. غياب الدور الحكومي في توفير حتى الحد الأدنى من الدعم والرعاية للطبقات الأشد فقرا، وغياب التوجيه والإرشاد الذي يفترض أن يحذر من مثل تلك الظواهر ، الي جانب غياب التوعية المجتمعية التي تضع حدودا لما هو مقبول وما هو خطر.
والأشد إيلاما أن هذا المشهد نجده متكررا في أحياء أخرى، بصور مختلفة، لكنه يحمل ذات المضمون : مجتمع يترك لمواجهة قسوة الحياة وحيدا، دون سند أو توجيه، لدرجة يضطر فيها بعض الأفراد لاتخاذ قرارات قاسية قد تضر بهم وبغيرهم.
وإن القضية هنا لا تتعلق بامرأة أو قطيع اغنام ، بل بتوعية تحتاج إلى مراجعة عاجلة. نحن بحاجة إلى وعي حقيقي بخطورة تغذية الحيوانات على المخلفات، وبحاجة إلى تدخل حكومي يضع ضوابط، ويوفر البدائل، ويعيد الاعتبار لصحة الإنسان قبل كل شيء.
كما أن المجتمع نفسه مطالب بأن يكون شريكا في الحل، عبر نشر الوعي، ودعم وتوعية الفئات الأشد احتياجا، وعدم الاكتفاء بدور المتفرج على مشاهد مؤلمة تتحول مع الوقت إلى أمور مألوفة.
ذلك المشهد الذي فرض على امرأة ان تفتح كيس قمامة، انتهى في داخلي بسؤال كبير :
هل أصبحنا نتعايش مع بعض الأخطار إلى هذا الحد؟ أم أننا فقدنا القدرة على التمييز بين ما يجب أن يرفض وما يقبل؟
ومن جهتي اعتبره نداء شخصي صامت، لكنه عميق، يدعونا جميعا—أفرادا ومؤسسات—إلى أن نعيد النظر ، قبل أن تتحول هذه المشاهد إلى واقع دائم، لابد وأن ندفع ثمنه جميعا، بصمت.



























