بقلم/ محمد إبراهيم الدسوقي
في عصر السينما الصامتة ، كان هناك وظيفة محورية لا غنى عنها تسمى "المفهماتي" ، وهو شخص يقف إلى جوار الشاشة ، وكان مسئولًا عن شرح أحداث الفيلم للجمهور المصري الحاضر داخل صالة العرض.
وكان بعضهم يستخدم قريحته الخصبة لنسج حكايات وقصص لا تمت بصلة ، من قريب أو بعيد ، إلى المعروض أمام المتفرجين ، مستغلًا جهل النظارة الذين لا يجيد غالبيتهم القراءة والكتابة ، ويستمتعون بالتفاصيل المثيرة التي يسردها على أسماعهم.
ويبدو أننا نحتاج إلى خدمات "المفهماتي" حتى نفهم مجريات الحرب الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما يصدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تصريحات وتقييمات تتناقض مع ما يقوله كبار مسئولي إدارته، ومع الوقائع والحقائق بأرض المعركة الشرسة التي يعاني العالم بشدة من ارتداداتها وتبعاتها الثقيلة، المنتظر استمرارها لمدة غير معلومة.
وبعد جهد جهيد، توصل "المفهماتي" إلى أن الحرب الجارية، التي شُنت بإيعاز إسرائيلي، تحولت من مشروع لتحقيق نصر إستراتيجي إلى محاولة لإدارة أزمة وتقليل الخسائر، أو بالأحرى إلى معضلة إستراتيجية معقدة للغاية، وتتجلى مظاهرها في الآتي:
أولا: مأزق القرار
فترامب عالق وحائر الآن بين خيارين، هما التصعيد والتراجع، وكلاهما يحملان مخاطر رهيبة وتكاليف باهظة، لن تتحمل فواتيرها واشنطن بمفردها، بل ستشمل معها عواصم عالمية أخرى. فإذا قرر الرئيس الأمريكي توسيع نطاق العمليات العسكرية، وإرسال قوات برية لغزو الأراضي الإيرانية، فإنه يغامر بحرب شاملة ربما تمتد أسابيع أو أشهر، وحينها سيئن الاقتصاد العالمي من آثارها، وستتعمق أزمة الطاقة التي يشتكي منها الأمريكيون مر الشكوى، ومعهم بقية شعوب العالم.
وإن استمر الصراع، فالتوقعات تشير إلى أن برميل البترول سيقفز إلى 200 دولار، بعد أن ارتفع منذ بدء الحرب ضد إيران إلى ما بين 110 – 120 دولارًا، بخلاف ما تكبدته منطقة الشرق الأوسط من خسائر فادحة إبان الأسبوعين الماضيين، بلغت قيمته 186 مليار دولار، استنادًا إلى تقديرات الأمم المتحدة، وفقدت 3.7 مليون فرصة عمل، وزاد التضخم العالمي، وانحسرت حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس إنتاج العالم، بنسبة 95% تقريبًا، بالإضافة إلى هروب الاستثمارات، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وتدمير البنية التحتية التي أنفقت على تشييدها تريليونات الدولارات.
أما إذا قرر ترامب التراجع بوقف مغامرته العسكرية غير المحسوبة ضد إيران، فحينها سيعلن فشله وإخفاقه، وسيكون في ورطة عليه دفع أثمانها المكلفة سياسيًا، وقد تدخله في دائرة محاكمة أمام الكونجرس لما سببه من أضرار اقتصادية ومالية وسياسية بالغة ومتشعبة للبلاد، التي باتت مصالحها مهددة، سواء قصر الزمن أم طال.
والجزء الأكبر من الرأي العام الأمريكي ضج من هذه الحرب بالوكالة لصالح إسرائيل وأهدافها الخبيثة، ويطالب ويضغط بقوة لوقفها فورًا ودون تباطؤ، وقد خرج آلاف الأمريكيين في مظاهرات حاشدة تندد بها، وبإصرار ترامب وحاشيته على مواصلتها، وبانفراده باتخاذ قرار الحرب دون الرجوع للمؤسسات التشريعية في البلاد.
ومن بين أمور عديدة يلاحظها المراقبون والمحللون، تبرز الفجوة الشاسعة بين الخطاب السياسي لترامب والواقع؛ فالرجل يتحدث عن نجاحات باهرة للهجمات الأمريكية على المدن الإيرانية، وأنها قضت على عناصر قوة الجيش الإيراني ونظام الملالي الحاكم، في حين يتكلم مسئولو إدارته عن محادثات مع الإيرانيين لوضع حد للحرب، فأيهما نصدق ونقتنع به؟ وهذه النقطة تقودنا إلى ثاني الملاحظات.
ثانيا: محدودية القوة العسكرية
على الرغم من مهاجمة القوات الأمريكية نحو 11 ألف هدف إيراني حتى الآن، فإنها لم تحقق الأهداف السياسية والعسكرية المأمولة والمعلنة من قبل أمريكا، ويضاف إلى ذلك تآكل الهدف الإستراتيجي، فالنظام الإيراني لا يزال صامدًا وقادرًا على الرد وتهديد المصالح الإقليمية والدولية، باستهدافه منشآت الطاقة والاقتصاد، ومنع الإبحار عبر مضيق هرمز، وإطلاق الصواريخ الباليستية، ولم يقضِ تمامًا على البرنامج النووي الذي اتخذ ذريعة لشن الحرب.
ونجحت طهران في جر الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة، وهو ما دفع وزارة الحرب الأمريكية لمطالبة الكونجرس بتمويل إضافي يصل إلى 200 مليار دولار لتغطية تكلفة عملياته العسكرية ضد إيران، بينما طالبت إدارة ترامب بتخصيص 1.2 تريليون دولار للإنفاق العسكري خلال 2027 لبناء "جيش الأحلام" الأمريكي!
وإن فكرت أمريكا في إدخال قواتها لإيران، فعليها تذكر تجربتها المريرة والمؤلمة في أفغانستان، التي احتلتها وغادرتها بعد عشرين عامًا دون أن تحقق الهدف المعلن، وهو القضاء على حكم حركة "طالبان"، حيث لم تجد مفرًا من التفاوض معها في نهاية المطاف وتسليم السلطة إليها، بعد إنفاقها 2.5 تريليون دولار ومقتل 2400 جندي أمريكي.
فكيف سيخرج ترامب وأنصاره من مأزق إستراتيجي عنوانه العريض "الحرب ضد إيران"؟ هذا هو السؤال الصعب الذي لم يتوصل "المفهماتي" إلى إجابته بعد.
نقلاً عن الاهرام



























