بقلم/ محمد الدلواني
في ذاكرة الشعوب والأوطان، تبرز أسماء لا تمر عابرة، بل تترك خلفها مدنا تنبض بالحياة، ومؤسسات تقف شامخة كشواهد على الإخلاص. ومن هذا المنطلق سجل اللواء صالح عباد الخولاني بأنه لم يكن مجرد مسؤول تقلد مناصب رفيعة، بقدر ما خاض رحلة كفاح بدأت من انبهاره كطفل بموكب السلطان ، وانتهت بكونه هو الذي أصبح صاحب "الموكب" الذي ينتظره الناس ، لا حبا في السلطة ، بل تقديرا للجهود التي بذلها والنجاحات التي حققها.
فمن "المكلا" بالطفولة.. إلى صرح الكلية الحربية بصنعاء
مبتدئا الحكاية من مدينة المكلا، حين رافق الطفل "صالح" والده كمواطن وهناك، وقف مذهولا أمام فخامة موكب السلطان القعيطي، وكانت تلك هي اللحظة التي ربما زرعت في وجدانه قيمة النظام وهيبة الدولة. وبالنسبة له لم يكتف بالتامل وانما اتجه نحو العلم وصولا الي التحاقه بالكلية الحربية عقب دراسته المتوسطة، ومتحولا من طالب نهم في مسيرته التعليميه ومن ثم الي مدرس وكبير للمعلمين.
وبمبادراته لم تعد الكلية الحربية مجرد بقايا فصول دراسية متقادمة ، بقدر ما اصبحت ورشة بناء برؤى طموحة . بفضل رؤيته الهندسية وإصراره على نقل الكلية من حالتها البدائية إلى منشأة عصرية متكاملة المرافق، مسهما في تصميم وتنفيذ مبانيها التي غدت صرحا يخرج منه حماة الوطن.
وفي مفارقة تاريخية مذهلة، عاد الخولاني إلى محافظة إب، ليس كطفل يرافق والده في ردهات مبنى المحافظة، بل كربان لسفينتها. وخلال دورتين متفرقتين، أحدث ثورة عمرانية لا تزال ملامحها قائمة حتى اليوم. وهو من وضع المخططات الحضرية، ومن أسهم في شق الطرق الحديثة التي ربطت أوصال "اللواء الأخضر"، محولا إياها من مدينة ريفية إلى مركز حضري يضج بالحداثة والتسابق العلمي .
ومع فجر الوحدة اليمنية، كان الرهان صعبا، وكان الخولاني ضمن "رجال المرحلة" والمحافظ الأول الذي كلف لقيادة محافظة حضرموت. وعلى مدى عشر سنوات متواصلة، قاد عملية تحول مذهلة؛ فتحولت المكلا ومدن الساحل من بلدات بمقومات بسيطة إلى مراكز عصرية تنافس في تنظيمها وبنيتها التحتية مدن حضرية متقدمة .
مؤكدا ان الإنجاز الأكبر لم يكن في "الحجر"، بل في "البشر" وتبني العدالة. حيث امتلك الخولاني شجاعة سياسية وأخلاقية منقطعة النظير وتحديدا عندما قررمعالجة بعض ملفات التأميم الشائكة. وان جاء ذلك بحكمة وهدوء، معيدا الحقوق لأصحابها، بما في ذلك بعض عائلات السلاطين السابقين، وفي سابقة لم تشهدها محافظات أخرى. دون أغفال بانه قام بذلك دون ضجيج أو إثارة لحفيظة الدولة متجنبا تأجيج أي صراعات بالمجتمع، ومكرسا مبدأ "العدل أساس الملك".
لتظل الحقائق ماثلة بأن المحافظ الذي وحد القلوب
قد يكون اللواء صالح عباد الخولاني وهو المحافظ الوحيد الذي غادر منصبه في محافظتين بحجم "إب" و"حضرموت" وهو يحمل إجماعا نادرا. كاسبا محبة النخب السياسية، والوجاهات الاجتماعية، وصولا الي المواطن البسيط على حد سواء.
وليؤكد مجددا إن مسيرة الخولاني تدرسنا درسا بليغا بأن المسؤولية ليست تشريفا، بل هي القدرة على تحويل "الانبهار بمواكب السلاطين" في الطفولة إلى "بناء مؤسسات المواطنة" في الكبر.
وبالنسبة له فقد رحل عن المناصب وبقي أثره في كل شارع شقه، وفي كل حق أعاده، وفي قلوب الملايين الذين رأوا فيه نموذجا لليمني النزيه الذي يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق.
"فالرجال يذهبون، والمواقف والمدن تبقى شاهدة.. وصالح عباد الخولاني سطر بجهده تاريخا عظيما وغالبا لا يمحى."



























