بقلم/ حسن حمود الدولة
يقول المثل الأنجليزي وطنك حيث تضع قبعتك، ووطنك حيث تجد فيه الأمن والامان والحرية والسلام ، لكن متى يفقد الوطن معناه؟ ومتى يصبح وجوده كعدمه؟
سؤالان يفتحان أبوابًا واسعة من الألم…
يفقد الوطن معناه عندما يُسرق من أبنائه ، حين تُنهب خيراته ، وتُختطف قراراته ، ويصبح أبناؤه غرباء فيه.
عندما تُسرق الأوطان ، لا تجد أمامك وطنا… وأنت ترى السلاح في أيدي الأطفال والشباب والنساء ، وترى الطفولة تُزج في أتون الصراع بلا رحمة ولا شفقة.

لا تجد وطنا حين يُقتل الأطفال ، ويصمت الكبار ، أو يكتفون بالمشاهدة، وكأن الموت مشهد عابر.
لا تجد وطنا حين يصبح السلاح زينة، فقد خلقنا في وطن نعيش فيه ونعم بخيرات لا نموت ونقتل من أجله !!!
الوطن الحقيقي هو الذي تقاس فيه الرجولة بالخلق والإبداع والعلم ، ولا تُقاس فيه الرجولة بالقدرة على القتل لا بصناعة الحياة.

يفقد الوطن معناه عندما يُحاصر برًّا وبحرًا وجوًّا ، فيغدو أبناؤه أسرى داخله، ويتحول إلى معسكر الشعب عالق في جنباته...
ويفقد معناه حين يُحكم بالحديد والنار، وتُخنق فيه الحريات وتُصادر الكرامة.
يفقد الوطن معناه عندما تتنازع السلطة قوى متعددة، ويحكم من قبل سلطات الواقع التي تدعي كل منها الشرعية ، بطريقة ذاك الطاغية الذي يقول للشعب لقد عينت نفسي رئيسا عليكم واشكركم على حسن الإختيار !!

في وطن الشعارات يضيع القرار ، وتضيع معه مصلحة الشعب!!!.
حين تمتلئ الشوارع بالسلاح تغيب الطمأنينة ،
حتى في دور العبادة ، لا يعود هناك وطن.
لا تجد وطنا والعالم ينعم بالسلام ،
بينما وطنك يُهدم من الداخل والخارج.

لا تجد وطنًا حين يكون المجتمع الدولي أكثر رحمة من قادته، وحين يطالب الجميع بالسلام، بينما الساسة يرفضونه.
لا تجد وطنا إذا لم يكن حضنا دافئا، يحميك من الخوف، ويمنحك الأمان، والراحة والإطمئنان، وعدم قطع الرواتب والمعاشات. وابسط الخدمات. يغيب الوطن حين ترفع فيه الشعارات ، والخطب المطولة ، فالشعوب لا تأكل خطب وعظ وانما الوطن هو الذي يشعرك بالطمأنينة والاستقرار ، ويوفر لك أبسط مقومات الحياة، من خدمات ومرتبات وكهرباء، وصحة وتعليم مجاني، وفرص متكافئة، ويغيب فيه الفرز العرقي والجهوي والمذهبي، ويحكم بدولة مدنية لا يفسدها الخطاب المذهبي ويكون في الدين لله والوطن للجميع.

الوطن حيث تجد المسارح، والأندية، والمكتبات، والفنون.
ويغيب الوطن حين تفوح رائحة البارود في كل مكان،
وحين يصبح الجميع متهمين، ويتحول الولاء من الوطن إلى أشخاص وعصبيات ضيقة. لا تجد وطنا حين يُطالب بعض أبنائه بالانفصال، وحين تنعدم المساواة في المواطنة،
ويُفرّق بين الناس على أساس العرق أو المذهب أو الانتماء.
لا تجد وطنًا حين تكون القوة هي الحاكمة، وحين يتلذذ مغتصبوه بمعاناة أبنائه، وحين يُطلب المزيد من الحصار والتنكيل بالشعب.
لا تجد وطنًا حين تُحارب الفنون!!!
وتُجرَّم الموسيقى، ويُخنق الجمال!!!
وكأن الحياة جريمة يجب إخمادها!!
لا تجد وطنا حين يعمّ الفرز العرقي والمناطقي،
وحين يُعاد تشكيل المجتمع على أسس الكراهية لا الشراكة.
الوطن الحقيقي هو الحضن الذي يغذي أبناءه بالحب والحرية والمساواة والعيش بسلام ..
الوطن هو الأم التي تمنح الحب والأمان والمساواة لجميع أبنائها، الوطن هو مساحة الحرية، ومجال الحياة بكل ألوانها.
لكن حين ينشغل البعض بمعالجة نتائج الأزمات، ويتركون أسبابها قائمة تتكرر المآسي، وننتقل من صراع إلى صراع،
ومن حرب إلى أخرى، لأن الحروب الداخلية لا تنتج إلا حرولا ، والوطن يصير في دوامة الحروب والحروب المادة والانتقام والانتقام المضاد....
نعم يغيب الوطن حين يفقد المواطن الأمن والأمان والحرية والمساواة، وينعدم الإيمان بإمكانية العيش المشترك.
حينئذ يصبح الوطن جحيمًا، ينقل الإنسان من معاناة إلى أخرى، يصير حينذاك الوطن بلا معنى. والوطن بلا معنى هو سجن كبير لساكنيه، وطن يتألم فيه الجميع من الجميع،
الكل فيه يئن، والكل يكره، والكل يتصارع. لا معنى لوطنٍ يُختطف فيه المواطن، ويُسجن بلا عدالة، ولا معنى لوطنٍ تتحكم فيه قوى متنازعة، تتقاسم الأرض والغنائم.
وطن يتلاعب به حفنة من المنتفعين ليس بوطن،
وطن يُنهب إن اتفقوا، ويُدمَّر إن اختلفوا، وطن يُدار بعقلية الغلبة لا بعقلية الدولة، هو وطن فقد كل معنى. الوطن هو الأسرة التي نلوذ بدفئها، ولا معنى للأسرة دون وطن.
الوطن هو الأمن، والسكينة، والحرية، هو الانتماء والهوية الجامعة.
الوطن هو المدرسة، والمسجد، والمسرح، والملعب، والسينما،
هو الحياة حين تكون ممكنة… لا مستحيلة.
فإن لم يكن الوطن كذلك، فهو اسم بلا مضمون، وشكل بلا روح.وفي النهاية…
إذا لم نجد وطنًا يحفظ كرامتنا، هو وطن بلا معنى،
فإننا أمام حقيقة موجعة:
أن الوطن لا يُفقد فقط حين يُدمَّر، بل حين يُفرَّغ من معناه.
وحسبنا الله ونعم الوكيل

حول الموقع

سام برس