سام برس
ترجل اليوم عن صهوة الإبداع فارس الكلمة النبيلة والصوت الروحي الشجي، وغيب الموت قامة ثقافية وسامقة لطالما صدحت بالمدائح النبويه والموشحات الروحية على مدار عقود ؛ إنه الشيخ / قاسم بن علي زبيدة، رئيس جمعية المنشدين اليمنيين الاسبق، الذي انتقل إلى جوار ربه اليوم عن عمر ناهز 75 عاما، بعد حياة حافلة بالعطاء الملتزم وصون الهوية التراثية لليمن.
ولم يكن مجرد منشد عابر يمتلك حنجرة رخيمة، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، تخرجت من معينها أجيال متعاقبة من كبار المنشدين في الساحة اليمنية. متميزا بتمكنه الفريد من "الموشح الصنعاني" وألوانه التراثية بمقاماتها المعقدة وأبعادها الروحية، فصاغ من صوته رفيقا وصوتا مقدرا لليمنيين؛ ينساب مع الكثير من نسائم الصباح، ويزين لدى محبيه المجالس الروحية، ويضفي سكينة خاصة على المناسبات الدينية والاجتماعية في أزقة صنعاء القديمة وضواحيها.
وإلى جانب فرادة صوته، امتلك الراحل رؤية مؤسسية واعية استشرفت أهمية حماية الفن الإنشادي من الاندثار والتشويه من خلال مشاركته الفاعلة في تأسيس جمعية المنشدين اليمنيين ويعتبر من أبرز الرواد الذين أرسوا مداميك جمعية المنشدين اليمنيين متوليا رئاستها كأول رئيس ومساهم في وضع لبنات توثيق هذا الفن وحفظه.
ما يلفت الانتباه بانه ممن مثل اليمن في محافل ومهرجانات ثقافية عربية ودولية عديدة، فكان خير سفير لنقل خصوصية الإنشاد اليمني ونقاء هويته إلى إسماع العالم.
دون أغفال بأن له إرث معرفي وصوتي خالد ومكتبة غنية زاوجت بين الكلمة المكتوبة والنبرة المسجلة، لتظل مرجعا للأجيال القادمة، ومن أبرز معالم هذا الإرث مؤلف كتاب "قبس من المورد الأعظم في سيرة الرسول الأكرم" وهو من ابرز المنشدين الذين تمكنوا من أداء "الزفة الصنعانية" الشهيرة التي باتت طقسا أساسيا وجزءا لا يتجزأ من الوجدان والتقاليد الاجتماعية اليمنية.
كما يشار بأن له ألبوم وموشحات "مشارب"، إلى جانب تسجيلات نادرة وثقت روحانية المقامات القديمة.
وبنبرات ملؤها الأسى، نعت جمعية المنشدين اليمنيين والاتحاد العربي للثقافة والابداع برئاسة الاستاذ .
علي محسن الأكوع والأوساط الإبداعية رحيل الشيخ زبيده ، مؤكدين في برقيات العزاء أن الساحة الإبداعية العربية والإسلامية فقدت حارسا أمينا للتراث الإنساني.
الجذير بالذكر ان جثمان الفقيد قد شيع في موكب جنائزي مهيب بصنعاء، وصلي عليه في الجامع الكبير؛ ذلك المحراب الروحي الذي طالما شهد صوته وترتيله وتواشيحه التي غسلت قلوب المحبين لسنوات طويلة.
نسأل الله له الرحمة والمغفرة، ولأهله ومحبيه والوسط الثقافي الصبر والسلوان.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.


























