بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
*قراءة من كتاب فضائل العشر من ذي الحجة لمؤلفه القاضي د. حسن حسين الرصابي*
بينما تتجه أنظار الأمة المسلمة، وتهوي أفئدتها نحو بطاح مكة الطاهرة، وتشرئب الأعناق لمتابعة وفود الحجيج وهم يلبون في صعيد واحد ، يثور في نفوس الملايين ممن حبسهم العذر عن وفادة البيت العتيق تساؤل مشوب بالشوق: أين نحن من هذا النهر المتدفق من الرحمات؟ والجواب يكمن في فقه هذه الأيام العظيمة؛ إذ جعل الله "عشر ذي الحجة" موسماً عالمياً تلتقي فيه الأمة—حجاجاً ومقيمين—على صعيد العبادة، لتتحول بيوت المسلمين ومساجدهم في كل أرض إلى مشاعر مقدسة تفيض بالذكر والتكبير.
إن ميزة هذه العشر المباركة أنها لم تحرم أحداً من نفحاتها؛ فإذا كان للحجاج رحلتهم البدنية بالأجساد نحو الكعبة المشرفة، فإن لغير الحجاج "هجرة بالقلوب" وأشواق الروح نحو علّام الغيوب. إنها رحلة إيمانية موازية، تذوب فيها المسافات والجغرافيا تحت مظلة الوحي الواحد، والرب الواحد، والغاية الأسمى: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}.
*أولاً: محراب الذكر وضجيج التكبير*
في هذه الأيام، يرتفع شعار "التكبير" ليكون هو الصوت الأعلى في الأمة. والتكبير ليس مجرد لفظ تدور به الألسن، بل هو ثورة إيمانية تسقط في النفس كل الأصنام المعاصرة، وتصغر في عين المسلم كل القوى المادية الطاغية. حين يلهج المقيم في بيته ومتجره ومسجده بـ "الله أكبر"، فهو يعلن التحرر الإنساني الكامل، ويعيد ترتيب أولويات حياته ليكون رضا الله ورسوله فوق كل اعتبار. إنه ضجيج مبرور بالحمد، يملأ القلوب سكينة والبيوت بركة.
*ثانياً: هجرة الطاعة.. صيام وعزم*
لقد شرع الله لغير الحاج صيام تسع ذي الحجة—وبالأخص يوم عرفة—ليعيش المقيم روح الحرمان الإيجابي التي يعيشها المحرم؛ فالإحرام ترك للزينة والمألوفات، والصيام كف للنفس عن الشهوات والمباحات. من هنا تلتقي الطاعتان؛ المحرم في عرفات يجأر بالدعاء، والمقيم في وطنه صائم يرجو القبول. هذا التناغم العجيب يوحد وجدان الأمة الإسلامية، ويجعل من صيام المقيمين جسراً روحياً يربطهم بأرفع مواقف الحج، حيث يكفر صيام يوم عرفة سنتين: ماضية ومستقبلة، في أعظم مكافأة إلهية لقلوب اشتاقت فعملت.
*ثالثاً: الأضحية.. دماء تُراق وتقوى ترتقي*
وفي يوم النحر، يلتقي الحاج وغير الحاج في أعظم شعيرة؛ يذبح الحاج هديه، ويذبح المقيم أضحيته. إنها المحطة التي تختزل معاني الاستسلام المطلق والانقياد لله تعالى، كما فعل الخليل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ويفطن الكاتب والفقيه هنا إلى أن الغاية ليست إراقة الدماء لذاتها، بل ما يقع في قلب العبد من تعظيم ومحبة وخضوع: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}. إنها رسالة تضحية بالأنانيات، وبذل في سبيل الحق والوطن والأمة.
*خاتمة:*
يا دافق الشوق، ويا قوافل العائدين إلى الله: إن لم تصل أجسادنا إلى مكة، فإن أبواب السماء مفتوحة فوق رؤوسنا أينما كنا. إن عشر ذي الحجة فرصة لتجديد العهد، وغسل القلوب من درن الغفلة، وشحن العزائم لحمل الرسالة الوطنية والإسلامية بوعي بصير وأمل متجدد. لنعمر هذه الليالي والأيام بالقيام، والقرآن، والذكر، والصلة، والتكافل؛ ولنثبت للعالم أن أمة الإسلام أمة حية، يجمعها المحراب كما تجمعها الميادين، وتوحدها الأشواق كما توحدها المعتقدات والمصير المشترك.


























