بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
تأتي مناسبة الاحتفال بالوحدة اليمنية في هذا العام 2026 واليمن يعيش واحدة من اكثر مراحله تعقيدا وانقساما فبعد عقود من اعلان الوحدة اصبح اليمنيون اليوم يعيشون واقعا مختلفا تماما حيث تبدو مظاهر التقسيم اكثر حضورا في الحياة اليومية من فكرة الدولة الواحدة نفسها ولم تعد الحدود النفسية والسياسية بين مناطق النفوذ مجرد حالة طارئة فرضتها الحرب بل تحولت مع الوقت الى امر مألوف اعتاد عليه كثير من الناس حتى اصبح الحديث عن الوحدة لدى بعضهم اقرب الى ذكرى بعيدة اكثر منه مشروعا قائما يمكن استعادته
لم يعد الحديث عن تقسيم اليمن مجرد مخاوف سياسية او تحذيرات يطلقها بعض المثقفين بل تحول مع مرور السنوات الى واقع يتسلل بهدوء الى حياة الناس وهذا هو الخطر الحقيقي حين يعتاد المجتمع على التشظي وتصبح الجغرافيا المقسمة امرا طبيعيا في الوعي العام فالقضية لم تعد فقط صراعا على السلطة بل تحولا عميقا يهدد هوية اليمن ووحدته ومستقبله والاجيال القادمة قد تنشأ وهي لا تعرف معنى الدولة الواحدة التي كانت تجمع اليمنيين.
القوى التي تمتلك مصالح في اليمن لا تريد لهذا البلد ان يكون مستقرا وقويا لان اليمن القوي يمتلك موقعا استراتيجيا وثروة بشرية وتاريخا يجعل منه رقما صعبا في المنطقة ولذلك كان استمرار الضعف والانقسام افضل وسيلة لضمان بقاء النفوذ الخارجي والسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي والعسكري وقد وجدت هذه القوى في الصراعات الداخلية والازمات المتراكمة فرصة لتحويل اليمن الى ساحات نفوذ متنازعة تتحكم بها المصالح الاقليمية والدولية اكثر مما يتحكم بها اليمنيون انفسهم.
المؤلم ان كثيرا من اليمنيين لم يدركوا حتى الان حجم الفخ الذي دخلوا فيه فكل طرف اعتقد انه يستطيع تحقيق مكاسب خاصة او الانتصار على خصومه عبر الاستقواء بالخارج لكنه لم ينتبه الى ان الجميع خسر الدولة وخسر الاستقرار وخسر الاقتصاد وخسر الانسان اليمني الذي اصبح يدفع ثمن الحرب والانقسام والفقر والتهجير والانهيار الاجتماعي بينما تتوسع الهوة بين ابناء الوطن الواحد وتزداد مشاعر الكراهية والانقسام يوما بعد اخر.
اما الذين يحكمون اليوم بوصفهم ادوات لمشاريع خارجية فلن يستمروا في السلطة الى الابد فالتاريخ اثبت ان القوى المرتبطة بالخارج تسقط عندما تنتهي الحاجة اليها او تتغير المصالح التي جاءت بها وما يبدو اليوم نفوذا ثابتا قد يتحول في لحظة الى عبء يتم التخلص منه لكن الكارثة الحقيقية لن تكون في سقوط هذه السلطات بل في بقاء نتائج الانقسام راسخة في وعي المجتمع وفي مؤسسات الامر الواقع التي قد تجعل استعادة الدولة الموحدة اكثر صعوبة وتعقيدا واليمن لا يحتاج اليوم الى شعارات موسمية عن الوحدة بقدر ما يحتاج الى مشروع وطني حقيقي يعيد بناء الثقة بين اليمنيين ويعيد للدولة معناها وللوطن حضوره قبل ان يصبح التقسيم واقعا دائما لا يمكن التراجع عنه


























