بقلم/ م. يحيى القحطاني
في العالم كلّه، يتبادل الناس التهاني بالأعياد بعباراتٍ مليئة بالأمل والرخاء: "كل عام وأنتم بخير"، "عيد سعيد"، "إجازة ممتعة"، "سفرًا سعيدًا"… أما في اليمن، فقد كان آباؤنا، ونحن من بعدهم، نختصر أمنياتنا كلها في عبارةٍ موجعة تقول: "العيد عيد العافية".

تعلّم اليمني، منذ سنوات طويلة، أن يتمنى السلامة قبل الفرح، والعافية قبل الرفاهية، ولقمة العيش قبل أي شيء آخر. وكأن هذا الشعب المنهك لم يعد يطلب من الدنيا سوى أن يمر العيد بلا مرض، ولا جوع، ولا قهر، وأن يستطيع الأب فقط أن يرى أطفاله يبتسمون دون أن يخذله العجز.

وفي اليمن وحدها، تتجسّد اليوم مأساةٌ بحجم وطن. أبٌ يختبئ من أطفاله لأنه لا يملك ثمن كسوة العيد لهم، وأمٌّ تمسح دمعتها خفية لئلا يراها صغارها وهي عاجزة عن توفير لقمة تسد بها جوعهم، وأطفالٌ يقفون أمام واجهات الملابس والحلوى بعيون منكسرة، ثم يعودون إلى بيوت أثقلها الفقر والصمت والخَذَلان.

وبسبب انقطاع المرتبات، وتوقف الأعمال، وإغلاق أبواب التوظيف في وجه الشباب، وتضييق مجالات الهجرة أمام الباحثين عن لقمة العيش والحياة الكريمة، ضاقت المعيشة حتى صار العيد عند كثير من الأسر بابًا للحزن لا للفرح، وموسمًا لاستحضار العجز لا للبهجة.

لقد أصبح في اليمن بيوت بلا طعام، ومرضى بلا دواء، وآباء يقتلون قهرهم بالصمت لأنهم لم يعودوا قادرين حتى على شراء "جعالة العيد" لأطفالهم، ولا توفير أبسط ما يحفظ كرامة أسرهم.

وأصبحت أسرٌ كاملة تعيش على الصبر، وتقتات من الحياء، وتخفي وجعها خلف أبواب موصدة كي لا تنكسر كرامتها أمام الناس. أسر تنام على الأمل، وتستيقظ على الخوف من يوم جديد لا تملك له قوتًا ولا حيلة.

بينما ينفر اليوم حجاج بيت الله الحرام إلى منى، ويقفون غدًا على صعيد عرفة، تقف ملايين الأسر اليمنية على أعتاب الحاجة والعجز والانكسار، ترفع أكفها بالدعاء كما يرفع الحجاج، لكن دعاءهم هذه المرة ليس طلبًا لزيادة في الدنيا، بل رجاءً للنجاة من قسوة الحياة.

يا أهل الخير…
يا أهل اليمن والإيمان والحكمة، هذا أوان النفير الحقيقي. أوان البحث عن البيوت المنسية، وعن الأرامل والمرضى والأيتام، وعن آباء أنهكهم العجز حتى باتوا يخافون من نظرة أطفالهم ليلة العيد.

فوالله إن أشد ما يكسر اليمني اليوم ليس الجوع وحده، بل شعوره بأن مأساته طالت حتى اعتادها الناس، وكأن هذا الوجع الهائل صار خبرًا عابرًا لا يوقظ القلوب ولا يحرك الضمائر.

أيها القادرون…
لا تجعلوا اليمن في هذا العيد مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل اجعلوه جرحًا يسكن دعاءكم، ورحمة تمتد بها أيديكم، وفرحة تعيدون بها الحياة إلى بيت أنهكه الحزن.

فرب كسوة صغيرة أعادت لطفل ابتسامته، ورب كيس قمح أنقذ أسرة من الجوع، ورب جعالة عيد صنعت فرحًا في بيت كاد اليأس أن يقتله.

عيد بلا طفل باكٍ في اليمن… هو العيد الحقيقي.

والله من وراء القصد.

حول الموقع

سام برس