بقلم/ محمود كامل الكومي
في ظلال عيد الأضحى، حيث تتجه قلوب المسلمين إلى معاني الرحمة والتضحية والتكافل، يخيّم الحزن الثقيل على غزة، وعلى الأسرى، وعلى المسجد الأقصى، في مشهد يكشف حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بينما يستقبل العالم الإسلامي أيام العيد.
ففي الوقت الذي يرفع فيه ملايين الحجاج أكفّ الدعاء في مكة المكرمة، كانت طائرات الاحتلال تواصل غاراتها العنيفة على قطاع غزة، مستهدفة الأحياء السكنية ومناطق النزوح بصورة متواصلة، وكأن آلة الحرب اختارت ليلة العيد تحديدًا لتضاعف من قسوة المشهد وآلام المدنيين.
لقد تحولت ساعات يفترض أن تكون عنوانًا للطمأنينة والفرح إلى لحظات خوف ونزوح ودمار، بعدما صدرت أوامر بإخلاء مناطق كاملة في النصيرات وخانيونس وغرب غزة، أعقبها قصف مكثف خلّف عشرات الضحايا بين شهيد وجريح، أغلبهم من المدنيين الذين أنهكتهم الحرب والحصار والنزوح المتكرر.
وفي خان يونس، بدت المأساة أكثر إيلامًا حين استهدفت الصواريخ خيام النازحين قبل ساعات من العيد، فسقط أطفال ونساء كانوا ينتظرون لحظة فرح مؤجلة منذ شهور طويلة. أطفال لم يحملوا من العيد سوى أسمائه، قبل أن تخطفهم النيران والدخان من أحضان ذويهم.
أما داخل سجون الاحتلال، فتستمر معاناة الأسرى الفلسطينيين بعيدًا عن عدسات الكاميرات، وسط تقارير تتحدث عن اقتحامات عنيفة وتعذيب وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، في وقت يفترض أن تكون فيه الأعياد مناسبة للتسامح ووقف المعاناة، لا لتصعيدها.
ويزداد القلق مع ما يتردد عن محاولات لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى، يمسّ وضعه التاريخي والديني، ويهدد هوية واحد من أقدس مقدسات الأمة الإسلامية، في خطوة تثير مخاوف واسعة من تصعيد جديد يمسّ استقرار المنطقة ومشاعر ملايين المسلمين حول العالم.
إن مأساة غزة اليوم لا تختصر في صور الدمار وحدها، بل في ذلك التناقض المؤلم بين روح العيد التي تدعو إلى السلام والرحمة، وبين واقع الدم والحصار وفقدان الأمان. وبينما يذبح المسلمون أضاحيهم تقربًا إلى الله، ما زالت غزة تقدّم أبناءها ضحايا تحت القصف، وما زالت الأمهات هناك يبحثن عن مأوى، وعن دواء، وعن فرصة لنجاة أطفالهن.
ويبقى الأمل، رغم كل شيء، أن يحمل هذا العيد صحوة ضمير إنساني حقيقية، تدفع العالم إلى تحمّل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه شعب يعيش واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث، وأن يعود للأعياد معناها الحقيقي؛ عيدًا للرحمة، لا موسمًا للحرب والدمار.


























