بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
في اليمن كان عيد الاضحى مناسبة تتجاوز معنى العيد الديني لتصبح موعدا لعودة الروح الى الناس وكانت القرى والمدن تمتلئ بالحياة قبل ايام من العيد حيث يعود المسافرون من الغربة وتفتح البيوت ابوابها للجميع وتلتقي العائلات الكبيرة حول موائد واحدة وتختفي كثيرا من الفوارق بين الناس وكان الفقير يشعر انه جزء من فرحة الجميع وكانت المودة والتراحم حاضرة في تفاصيل صغيرة يعرفها اليمنيون جيدا من تبادل الزيارات الى توزيع اللحوم والهدايا ومجالس العيد التي تجمع الكبير والصغير في صورة اجتماعية دافئة لا تشبه الا اليمن
وكانت بهجة العيد تظهر في الاسواق الشعبية وفي ازدحام الطرقات المؤدية الى القرى وفي اصوات الاطفال وهم يرتدون ملابسهم الجديدة وفي رائحة الاضاحي والخبز اليمني التي كانت تملأ الاحياء وكان الناس رغم بساطة حياتهم يشعرون بالرضا والتقارب ولم تكن المادة هي التي تصنع الفرح بل العلاقات الانسانية التي حافظت لسنوات طويلة على روح المجتمع اليمني وجعلت من العيد مناسبة للتسامح وصلة الرحم وتجديد المحبة بين الناس
لكن الحرب غيرت اشياء كثيرة في حياة اليمنيين وبدلت شكل الاعياد كما بدلت ملامح البلاد نفسها فالعائلات التي كانت تجتمع تفرقت بين الداخل والخارج وبين النزوح والغربة وبين المدن التي قطعتها خطوط الصراع ولم يعد الجميع قادرا على العودة الى قريته او مدينته كما في السابق كما ان الظروف الاقتصادية القاسية جعلت كثيرا من الناس يعيشون العيد بقلق وحزن اكثر من الفرح بعدما اصبحت متطلبات الحياة اليومية اثقل من قدرة الكثير من الاسر اليمنية
ومع اتساع الغربة وتشتت العائلات تحولت وسائل التواصل الاجتماعي الى البديل الاكثر حضورا في تبادل التهاني والسؤال عن الاقارب والاصدقاء بعدما كانت المجالس والزيارات المباشرة هي اللغة الحقيقية للعيد واصبحت الرسائل والصور والمكالمات القصيرة تحمل مشاعر الاشتياق التي لم تعد تكفي لتعويض دفء اللقاءات القديمة وصار كثير من اليمنيين يحتفلون وهم بعيدون عن اهلهم يحمل كل واحد منهم همومه الخاصة وظروفه الصعبة التي فرضتها سنوات الحرب الطويلة
ورغم كل ما تغير ما زال اليمنيون يحتفظون في داخلهم بصورة العيد القديم ويحاولون التمسك بما تبقى من معانيه الجميلة فالعيد بالنسبة لهم ليس مجرد مناسبة عابرة بل ذاكرة مشتركة تربطهم بسنوات الامان والاستقرار وبالعلاقات الانسانية التي كانت تمنحهم شعورا عميقا بالطمأنينة وربما يبقى امل اليمنيين الحقيقي ان يأتي يوم تعود فيه الاعياد كما كانت وتعود معها البيوت الممتلئة بالناس والقلوب التي كانت تعرف كيف تفرح رغم كل شيء


























