بقلم/ علي البخيتي
رحمة الله على الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، حملناه ما لا يطيق ، أتعبناه وأتعبنا، كانت رئاسة فصل دراسي كبيرة عليه وعلى وعيه، فكيف برئاسة جمهورية وفي أهم لحظاتها الزمنية!

من بين سبعة مليار إنسان تعداد كوكب الأرض في 21 فبراير 2012 كان هادي أسوأ اختيار لرئاسة اليمن، وكأن هناك قدر حتمي لينهار اليمن، وحتى يكون انهياره مضمونًا ويعجز العالم عن إصلاحه حتى بعد اجتماع مجلس الأمن في صنعاء في سابقة تاريخية أن يجتمع المجلس خارج نيويورك، ويساند وبالإجماع رئيس جمهورية ضد خصومه المفترضين، ومع كل الدعم المحلي والإقليمي والدولي، كان وجود هادي كرئيس كفيل بتبديد كل تلك الجهود الاستثنائية والنادرة، فلم يلقى رئيس في الشرق الأوسط بل والعالم كل هذا الدعم، لم يكن هناك طرف دولي واحد، صغير أو كبير ضده، كانت الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي بكل تناقضاتهم وصراعاتهم معه، كانت السعودية ومصر والإمارات وكل الدول العربية بكل خلافاتها معه معه، كان غالب الشعب اليمني معه، حصل على 99% من الأصوات عند الاستفتاء عليه، ومع ذلك بدد الرجل كل تلك الجهود.

الصدفة وحدها جلبته للرئاسة، كل طرف اختاره ليضمن بقائه، الرئيس السابق صالح اعتقد أنه سيكون طيعًا له كما كان بعد تعيينه نائبًا له "عبدربه مركوز فاضي"، وعلي محسن الأحمر اعتقد أنه سيتمكن من ادارته بحكم أنه من جلبه لصالح وعينه وزير دفاع عقب حرب 1994، وحزب الإصلاح وافق عليه فقط حتى ينهي عهد صالح، فلا أطاع صالح ولا أداره علي محسن ولا أنهى عهد صالح به بل أنهى وجود اليمن كدولة واحدة ومؤسسات.

هادي كان خلاصة تآمر القوى السياسية اليمنية شمالًا وجنوبًا لعدة عقود على بعضها، كان ثمرة أحداث يناير 1986 وما فعلته بالجنوب، وثمرة اغتيال إبراهيم الحمدي ومشروع الدولة في صنعاء وما فعله بالشمال.

لم يكن لدى هادي أي مؤهلات ليتولى أي منصب مهم، حتى على مستوى مدير قسم شرطة، وجرى اختياره وزير للدفاع ثم نائب رئيس عقب حرب 1994 فقط ليمثل الجنوب ويكون بديلًا لـ علي سالم البيض، ليظهر أن الشراكة في الحكم بين الشمال والجنوب مستمرة، وأكثر ما اعجب علي عبدالله صالح وعلي محسن فيه أنه لم يكن لديه أي طموح سياسي ولم يكن يشكل أي خطر عليهم ولا يخشى منه في الانقلاب على حكمهم، فلم يكن له وزن سياسي ولا شعبي ولا حتى قبلي يخشى منه، فلا حزب وراءه، ولا شعبية وتاريخ مناضل سياسي له حضور جماهيري، ولا هو شيخ لقبلية قد تناصره، ولم يكن يملك حتى وعي أو مخيلة تجعلهم يخشون من تآمره عليهم، كان برنامجه اليومي يقتصر على تخزينة القات وسماع فيصل علوي وحضور اللقاءات التي يكلفه بها صالح، ويعود بعدها ليخزن ويسمع فيصل علوي، ولم يكن صالح يكلف نفسه حتى عناء التجسس عليه ليعرف نواياه ويختبر ولاءه، فقد كان متيقن أن هادي بلا طموح عدى بيت جميل يسكن فيه، ومدخول يكفي لحياة جميلة وقيمة قات، ومجلس ليستمع فيه لـ فيصل علوي عند التخزينية، وبعد ذلك هو سعيد حتى بتحوله إلى نكتة "عبدربه مركوز فاضي"، مع أن تلك النكتة وعند توليه الحكم أخرجت كل شياطينه، وأفرزت كل عقده، والتي لم تكن في الحقيقة عقد، إذ كان سعيد جدًا بوضعه عندما كان وزير دفاع ونائب للرئيس، بل أن طفرة توليه الرئاسة جعلته يرى مرحلة عمله كنائب للرئيس باعتبارها شكل من أشكال العبودية والإذلال مع أنه كان مستمتعًا بها في حينه، فقد كان منصبه كـ "نائب رئيس ولو مركوز فاضي" يفوق طموحه وحتى أقصى أحلامه، وهذه حالة جديرة بالدراسة، وهي تولد عقد من مرحلة ما كان فيها الفرد سعيدًا وراضيًا جدًا خلالها فقط لأن وضعه تغير.

لم يمتلك هادي أي صفة تؤهله للرئاسة، فلم يكن مثقفًا كـ عبدالفتاح إسماعيل، ولا صاحب حضور وكاريزما كـ قحطان الشعبي، ولا يحمل مشروع دولة كـ إبراهيم الحمدي، ولا حكمة ورزانة وثقافة عبدالرحمن الإرياني، ولا ثورية عبدالله السلال، ولا إجرام ودموية أحمد الغشمي، ولا دهاء وديناميكية علي ناصر محمد، ولا مكر صالح، ولا طيبة وصدق علي سالم البيض، ولا هدوء ونضج ورزانة الدكتور رشاد العليمي.

هادي الرئيس الوحيد في التاريخ الذي أدار انقلاب على نفسه بنجاح، عندما تآمر مع الحوثيين ليسقط علي محسن والفرقة الأولى مدرع وقوة "حزب الإصلاح" داخل صنعاء، فأسقط نفسه والدولة في 21 سبتمبر 2014، وبعد ذلك التاريخ ومن لحظة وصوله للرياض لم يكن يجد ما يخبر به ضيوفه إلا قصة هروبه، يكررها في كل لقاءاته لأكثر من سبع سنوات حتى إزاحته من الحكم في 7 إبريل 2022، حتى مع نفس ضيوفه، فلم يكن يملك وعي ولا حتى ذاكره تجعله يدرك أنه سبق وقصها عليهم عدة مرات.

من صفحة الكاتب - منصة أكس

حول الموقع

سام برس