بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
هذا التساؤل الناضح بالوجع ليس مجرد صرخة عتب عابرة، بل هو "الفزورة" الأكثر تعقيداً وسريالية في تاريخنا المعاصر. المفارقة الساخرة والموجعة في آن واحد، هي أن الجميع يقف في ذات الطابور، يلتفت إلى الخلف، ويصرخ بملء فيه: *"أين العرب؟"*.. دون أن يجرؤ أحد على النظر في المرآة ليرى أن الطابور بأكمله يتكون من هؤلاء "العرب"!

منذ عقود ونحن نعيش في متاهة لغوية وسياسية غريبة؛ ففي كل عاصفة تلتهم جزءاً من جسد هذه الأمة، تخرج الملايين لتسأل بنبرة استنكار تراجيدية: "أين العرب؟". تصرخ غزة العزة تحت لظى حرب الإبادة الصهيونية ويُغتال قادتها الأحرار، وتُستباح بيروت ويُقتل أطفالها ونساؤها، وتمر الأعياد والمناسبات الدينية الكبرى كعيد الأضحى كأيام باهتة لا طعم لها ولا كرامة، بينما لسان حال الكثيرين يبحث عن ذلك "الكائن الفضائي" الخفي الذي يُدعى "العرب" ليأتي وينقذ الموقف!

إذا كان مئات الملايين يتبرؤون من العجز وينسبونه إلى "العرب"، فمن هم هؤلاء "العرب" إذن؟ هل هم فصيلة دم انقرضت؟ أم أنهم شعب يسكن قارة أخرى لم نكتشفها بعد؟!

انشطار العروبة.. ظاهرة صوتية وارتهان سياسي
إن الواقع المشهود يشير إلى أننا أمام انقسام حاد وفرز حقيقي في مفهوم "العروبة"؛ فهناك *عروبة الجغرافيا، النبض، والشعوب المغلوبة على أمرها، وهناك في المقابل *"العروبة المتصهينة"**؛ تلك التي انسلخت من هويتها، وقيم دينها، ومقتضيات عروبتها، واختارت بملء إرادتها أن تكون "حارس بوابة" أو "شريكاً صامتاً" للمشروع الصهيوني. يمارسون التواطؤ المفتوح، أو يلوذون بالصمت المريب، بل ويقدمون أطواق النجاة للاحتلال في أحلك ظروفه وانكساراته.
حين يمر عيد الأضحى المبارك والمجازر مستمرة، والدم العربي يسيل كالأنهار في فلسطين ولبنان، والبعض لا يتنازل حتى عن تأجيل مهرجاناته الترفيهية أو تعديل أجندته السياسية، ندرك أن "العرب" الذين نبحث عنهم قد تم تقسيمهم ببراعة ومكر إلى فئات:

* *عرب "المدرّج":* يكتفون بالمشاهدة، والحسرة، والملامة، وإلقاء التبعة على الآخرين.
* *عرب "المذبح والمواجهة":* وهم أولئك الأحرار الذين يدفعون ضريبة الدم، والهوية، والكرامة نيابة عن أمة بأكملها.
* *عرب "المتجر":* الذين باعوا القضية والمقدسات في سوق المقايضات الدولية، وصاروا يرون في خيار المواجهة والكرامة "عبئاً"، وفي العدو الصهيوني "حليفاً وضامناً".
### حيلة الهروب من المسؤولية
إن لوم "العرب" بصيغة الغائب هو حيلة نفسية وسياسية جماعية للهروب من استحقاقات المسؤولية الدينية والوطنية. لقد نجح النظام الرسمي المرتهن في تحويل "العروبة" من رابطة دم ومصير ومقدسات، إلى "مؤسسة وهمية" يُلقى عليها اللوم دائماً؛ فالكل يسبّ العرب، والكل يلعن خذلانهم، والكل يرى نفسه بريئاً من دماء الأطفال والأشلاء الممزقة.

الذين يقصدهم العربي حين يتساءل "أين العرب؟" هم أولئك الذين يملكون الطائرات، والجيوش الجرارة، والقنوات، والمليارات، والترسانات، لكنهم وجهوا بوصلتهم نحو العواصم الغربية استجداءً لرضاها، تاركين عمقهم الاستراتيجي والتاريخي والديني يُباد على الهواء مباشرة، دون أن تحرك فيهم النخوة شعرة واحدة.

ميزان العدالة والتاريخ
إن "العرب" الذين نبحث عنهم ليسوا مفقودين في خريطة الجغرافيا، بل هم مفقودون في خريطة "الإرادة والكرامة". وإن استمرار المراهنة على أروقة القمم الهزيلة أو البيانات المعلبة هو ضرب من الوهم وتضييع للوقت.
العروبة الحقيقية اليوم لا تُقاس ببطاقات الهوية الشخصية ولا بالشعارات الزائفة، بل بمقدار الانحياز الفعلي لقضايا الأمة ورفض الهيمنة والمشروع الصهيوني؛ فمن خذل فلسطين ولبنان ليس "العرب" كأمة وشعوب، بل "أشباه العرب" الذين استمرأوا الذل والتبعية حتى صارا جزءاً من جيناتهم السياسية.

حول الموقع

سام برس