بقلم/ الدكتور /علي أحمد الديلمي
تعيش اليمن منذ سنوات حالة من التدهور السياسي والاقتصادي رافقها توسع غير مسبوق في مظاهر الفساد واستغلال النفوذ حتى باتت موارد الدولة ومقدراتها في كثير من الأحيان خاضعة لمصالح افراد وجماعات تتنافس على السلطة والثروة اكثر من تنافسها على خدمة الوطن والمواطن. وقد ساهمت الحرب في اضعاف مؤسسات الرقابة والمحاسبة وفتحت المجال امام شبكات المصالح لتوسيع نفوذها والسيطرة على الموارد العامة في وقت يزداد فيه فقر المواطنين وتتراجع الخدمات الاساسية وتتعاظم معاناتهم اليومية.

وخلال هذه المرحلة برزت المناطقية والحزبية والقرابة باعتبارها من اهم المعايير التي تحدد فرص الوصول الى المناصب والثروة والنفوذ بدلا من الكفاءة والنزاهة والخبرة. ونتيجة لذلك تشكلت دوائر مغلقة من المستفيدين الذين احتكروا القرار والمال العام وحولوا مؤسسات الدولة الى ادوات لخدمة مصالحهم الخاصة بينما بقيت غالبية ابناء الشعب خارج دائرة الاستفادة من ثروات بلدهم وموارده.

كما نشأت شبكات فساد مترابطة تضم مسؤولين ونافذين واقاربهم وشركاءهم الاقتصاديين تمكنوا من تكوين ثروات هائلة خلال سنوات الحرب والازمة. وفي الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن دفع المرتبات بانتظام وتوفير الخدمات الاساسية للمواطنين تتزايد التقارير والوقائع التي تشير الى امتلاك بعض المتنفذين عقارات واستثمارات وارصدة مالية في الخارج والعيش في مستويات عالية من الرفاهية في عواصم ومدن عالمية بعيدا عن المعاناة التي يعيشها اليمنيون داخل وطنهم.

وفي المقابل يواجه ملايين المواطنين اوضاعا انسانية صعبة تتجسد في الفقر والبطالة وتدهور التعليم والصحة وانقطاع الخدمات وتراجع الامن والاستقرار وتفكك الكثير من الروابط الاجتماعية التي كانت تمثل مصدر قوة للمجتمع اليمني. وقد ادى هذا الواقع الى اهتزاز ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها وخلق شعور متزايد بان السلطة اصبحت بعيدة عن هموم المواطنين وتطلعاتهم في العيش الكريم والعدالة والمساواة.

والمؤسف ان كثيرا من اصحاب السلطة والنفوذ لا يدركون حقيقة بسيطة تؤكدها تجارب التاريخ وتعاقب الحكام وهي ان الاموال والثروات مهما تضخمت لن ترافق اصحابها عند رحيلهم ولن تبقى سوى الذكرى التي يتركونها خلفهم. وبعد رحيل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي وغيره من المسؤولين الذين تعاقبوا على السلطة تتجدد الحقيقة ذاتها وهي ان ما يبقى في ذاكرة الشعوب ليس حجم الاموال التي جرى جمعها ولا عدد العقارات والاستثمارات التي امتلكها المسؤولون بل ما قدموه من اعمال وانجازات خدمت الناس وحافظت على مصالح الوطن وساهمت في بناء الدولة وتحسين حياة المواطنين. فالتاريخ لا يخلد الثروات بقدر ما يخلد المواقف والانجازات والاعمال التي تترك اثرا نافعا في حياة الشعوب والاجيال القادمة.

حول الموقع

سام برس