سام برس
فجّرت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من الارتدادات السياسية العنيفة على المستويين الإقليمي والدولي ، إثر توجيهه تهديداً علنياً ومباشراً لسلطنة عُمان بـ"التفجير والنسف"؛ هذا الوعيد الأمريكي جاء رداً على تمسك مسقط بقرارها السيادي ، ورفضها الانصياع للإملاءات القادمة من البيت الأبيض بشأن إدارة مضيق هرمز الاستراتيجي.

إن هذا التصعيد اللفظي غير المسبوق ضد دولة خليجية عُرفت تاريخياً بـ"عقلانيتها الدبلوماسية" واتزانها السياسي، لا يمثل مجرد كبوة لسان ، بل يدشن مرحلة حرجة من "الابتزاز الجيوسياسي العاري"، الذي يهدد بتقويض السلم والأمن في منطقة الخليج بأسرها، ويضع مرتكزات القانون الدولي في مهب الريح.

- منطق "الغطرسة الدولية" والارتداد عن القانون
لم يعد البيت الأبيض في عهد ترامب يكتفي بممارسة الضغوط الاقتصادية الناعمة أو العقوبات الدبلوماسية الكلاسيكية، بل انتقل إلى عسكرة الخطاب السياسي واعتماد لغة التدمير ضد دول ذات سيادة. إن تصريح ترامب الفج بأن "سلطنة عُمان ستتصرف كما تتصرف أي دولة أخرى، وإلا فسيتعين علينا تفجيرها"*، يعكس عقلية "الهيمنة الاستعلائية" التي تضرب بالمواثيق الدولية عرض الحائط.
تحاول واشنطن من خلال هذا المنطق تحويل الممرات المائية الدولية من مشاع إنساني واقتصادي محكوم بالقوانين، إلى ساحة نفوذ أمريكية خالصة تُدار بعقلية "المقاولة الأمنية" وفرض الأمر الواقع تحت لافتة "حماية الملاحة". إن هذا السلوك العنيف لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن مساعي فرض خارطة "الشرق الأوسط الجديد"، التي تطمح إلى تفتيت القوى الإقليمية وتصفية الحسابات السيادية لصالح تأمين الهيمنة المطلقة في المنطقة.

- معركة المضيق: أبعاد الصراع فوق "فك الأسد"
يأتي هذا التهديد في سياق ترتيبات أمنية معقدة في مضيق هرمز، حيث تسعى واشنطن لفرض أحادية قطبية على هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية. وفي المقابل، تتمسك الأطراف الإقليمية بأن أمن المضيق هو مسؤولية تشاركية حصرية للدول المطلة عليه، بالتنسيق الكامل مع سلطنة عُمان التي تشرف جغرافياً وسيادياً على خطوط الملاحة الحيوية فيه عبر الممر الملاحي للمضيق، والمعروف تاريخياً في الأدبيات الجغرافية بـ "باب فك الأسد".

الرؤية الثاقبة لجذور الخلاف: يرفض ترامب جذرياً أي صيغة تضمن حق الإشراف المشترك بين مسقط وجاراتها إيران، ويسعى إلى تفكيك أي تقارب إقليمي قد يفضي إلى استغناء المنطقة عن "الوصاية الأمريكية". ومن هنا، تأتي لغة التهديد بالنسف كمحاولة لترهيب السياسة العُمانية، وثنيها عن اتخاذ مواقف مستقلة تحمي مصالحها السيادية وتصون استقرار الجوار الإقليمي.

- التداعيات الاستراتيجية : اللعب بالنار في حقل ألغام
إن إقحام لغة التدمير العسكري في التعاطي مع دولة بحجم ومكانة سلطنة عُمان يحمل مؤشرات تحول راديكالي خطير في السياسة الخارجية الأمريكية، ويمكن رصد تداعياته الكارثية في الأبعاد التالية:

اغتيال الدبلوماسية الوقائية: طالما شكلت مسقط "صمام أمان" ووسيطاً نزع فتيل الأزمات المعقدة في المنطقة؛ واستهدافها اليوم هو تدمير لآخر قنوات العقلانية والوساطة المقبولة من جميع الأطراف.
الانفجار الشامل جراء عسكرة البحار: إن الإصرار الأمريكي على الانفراد بإدارة مضيق هرمز بقوة السلاح يرفع من منسوب الاحتقان، ويجعل المنطقة عرضة لحرب شاملة قد تنبثق من أي خطأ حسابي أو تقديري بسيط.
خلخلة التحالفات التقليدية هذا الصلف الأمريكي يدفع دول المنطقة، حتى تلك التي تنتهج الحياد الإيجابي كالسلطنة، إلى إعادة مراجعة مقارباتها الأمنية، والبحث عن تحالفات دولية بديلة توازن هذا الابتزاز الأمريكي المباشر.

- خلاصة القول
إن سياسة "الابتزاز بالقوة" التي ينتهجها ترامب لن تنتج إلا مزيداً من التشظي والفوضى في إقليم مثقل بالصراعات لا يحتمل مغامرات غير محسوبة. وتظل سلطنة عُمان، برصيدها الدبلوماسي الراسخ وحكمتها المشهودة، أكبر من أن تنكسر أمام لغة التهديد والوعيد.
إن هذا التهور الأمريكي يضع المجتمع الدولي بأكمله أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تاريخية للوقوف في وجه هذا الصلف، والدفاع عن سيادة الدول قبل أن تتحول الغابة إلى قانون يحكم العالم.

حول الموقع

سام برس