بقلم/ محمود كامل الكومي
لا تزال نكسة يونيو تُستدعى كلما أراد أعداء الثورة العربية وعملاء الإمبريالية والصهيونية النيل من جمال عبد الناصر؛ ذلك الرجل الذي عرّى تبعيتهم، وكشف أدوارهم في نهب ثروات الأمة واستنزاف دماء شعوبها.
وما حملاتهم المتواصلة إلا محاولة يائسة لحجب أثر مشروعه القومي الذي ما زال حاضرًا في الوجدان العربي رغم مرور العقود.
غير أن الأمم لا تُقاس بما تتعرض له من هزائم، بل بقدرتها على النهوض بعدها وتحويل المحنة إلى بداية جديدة.
لقد انهزم المسلمون في غزوة أحد، لكن الهزيمة لم تتحول إلى عقدة تاريخية،ولم بتندر أحد على الرسول، بل أصبحت درسًا في الصبر والمراجعة والاستعداد للانتصار. وكذلك كان حال مصر بعد نكسة يونيو؛ فالدولة التي فقدت سيناء في أيام معدودة لم تستسلم، والشعب الذي صُدم لم يرفع الراية البيضاء، والجيش الذي تعرض لضربة قاسية لم ينهر، بل بدأ عملية إعادة بناء شاملة تحت قيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ورغم تمنيات قوى الثورة المضادة الإخوان والاقطاع والرأسمالية والرجعية العربية بأن تهزم مصر ويقضى على الزعيم ناصر..
ورغما أدرك الشعب وقيادته الناصرية حجم المؤامرة ..وخيانة عامر وشمس بدران ...وتخفي السادات
والقواعد الأمريكية والبريطانية فى ليبيا ومشاركتهم العدوان ...وطائرات أمريكية بالقواعد القبرصية والإيطالية تتأهب لتدمير القاهرة بالنووي واصطياد الديك الرومى فى مؤامرة حيكت خيوطها منذ ١٩٦٤.
ورجاء من الملك فيصل للرئيس جونسون أن تعجل إسرائيل عدوانها على مصر. .للقضاء على الزعيم ناصر....ورغما رفضت مصر الاستسلام ..وأن تعود سيناء فى مقابل تخلي مصر عن فلسطين
وكان رد الزعيم ناصر القدس قبل سيناء
منذ الأيام الأولى بعد النكسة بدأت مصر إعادة تنظيم قواتها المسلحة وتسليحها وتدريبها، ورفضت كل الضغوط التي كانت تدفعها إلى القبول بالأمر الواقع. ومن رحم الهزيمة وُلدت حرب الاستنزاف التي استمرت قرابة ألف يوم، لتصبح واحدة من أطول وأعنف المواجهات العسكرية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
خلال هذه الحرب نجحت القوات المصرية في فرض معادلة جديدة على العدو. فقد تعرضت مواقع خط بارليف لقصف متواصل، ودُمرت العديد من التحصينات والنقاط الحصينة، وتكبدت القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية متزايدة. كما شهدت الجبهة عمليات بطولية للقوات البرية والمدفعية والصاعقة والبحرية، أثبتت أن الجيش المصري استعاد روحه القتالية وقدرته على المبادرة.
ومن أبرز محطات حرب الاستنزاف معركة رأس العش التي أوقفت التقدم الإسرائيلي شرق قناة السويس، وإغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات الذي شكل صدمة عسكرية كبيرة للعدو، إضافة إلى مئات عمليات القصف والاشتباك والكمائن التي استنزفت القوات الإسرائيلية وأفقدتها الشعور بالأمن والاستقرار على طول الجبهة.
كما تمكنت مصر خلال تلك السنوات من بناء وتطوير شبكة الدفاع الجوي التي أصبحت فيما بعد أحد أهم أسباب النجاح في حرب أكتوبر 1973. وقد دفع العدو ثمنًا باهظًا نتيجة استمرار الحرب، حتى اعترف العديد من القادة الإسرائيليين بأن حرب الاستنزاف كانت من أكثر مراحل الصراع تكلفة وإرهاقًا لإسرائيل.
إن الذين يتوقفون عند مشهد الهزيمة ويتجاهلون ما تلاه من صمود ومقاومة يعرضون جزء من الحقيقة فقط. فالتاريخ لا يختزل في يوم الهزيمة، بل يُقرأ من خلال المسار الكامل للأحداث. وحرب الاستنزاف لم تكن مجرد رد فعل عسكري، بل كانت عملية وطنية شاملة لإعادة بناء الدولة والجيش والثقة بالنفس.
لقد أثبتت مصر خلال تلك السنوات أن النكسة لم تكن نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة انتهت باستعادة المبادرة العسكرية وإعداد المسرح للعبور العظيم في أكتوبر 1973.
ولهذا فإن حرب الاستنزاف تبقى شاهدًا على أن إرادة الشعوب قادرة على تحويل الهزيمة إلى مدرسة للانتصار، وأن عار النكسة لم يُمحَ بالكلمات والخطب، بل محته دماء الجنود المصريين الذين صمدوا على ضفاف القناة وقاتلوا حتى استعادت الأمة ثقتها بنفسها وقدرتها على النصر. ..
كاتب ومحامي مصري


























