سام برس
يمر العالم اليوم بمرحلة هي الأكثر تعقيداً في تاريخ الجيوسياسة الحديثة ، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الجنود والعتاد التقليدي ، بل بالقدرة على التحكم في "شرايين الحياة" الدولية، وامتلاك بنية تحتية عسكرية محصنة ضد أعنف الضربات.
وفي هذا السياق، يبرز "مضيق باب المندب" و"مضيق هرمز" كأخطر نقطتي اختناق بحري في العالم؛ إذ يمثل اضطرابهما أو إغلاقهما كابوساً اقتصادياً وأمنياً يهدد بشلل تام في سلاسل التوريد العالمية، ويعيد رسم موازين القوى الدولية فرضاً لا اختياراً.

• باب المندب: قلب التجارة العاصف
لم يعد باب المندب مجرد بوابة جنوبية للبحر الأحمر ومحرك أساسي لحركة الملاحة العابرة لقناة السويس التي تمر عبرها قرابة 10% من التجارة العالمية سنوياً؛ بل تحول في الآونة الأخيرة إلى ساحة "عسكرة" دولية مفتوحة ومواجهة مباشرة تترصدها مختلف الأساطيل والقوى الكبرى.
إن المشهد الراهن يثبت أن أي توتر في هذا الممر الحيوي يتجاوز فكرة الارتفاع المؤقت لتكاليف التأمين والشحن، ليتحول إلى إعادة توجيه إجباري وشامل لحركة السفن نحو طريق "رأس الرجاء الصالح". هذا البديل القسري لا يضيف أسابيع من التأخير ويستنزف قدرات الشحن العالمية فحسب، بل يغذي تضخماً حاداً وغير مسبوق في أسعار السلع الأساسية والطاقة، ليصبح المضيق سيفاً مسلطاً على استقرار الاقتصاد العالمي وأمنه الغذائي.
• سيناريو "الإغلاق المزدوج": هرمز وباب المندب
إذا ما اجتمع التهديد أو الإغلاق في مضيق باب المندب بالتوازي مع مضيق هرمز، فإننا لا نتحدث هنا عن أزمة إقليمية عابرة، بل عن "جلطة جيوسياسية" تعزل تدفقات الطاقة والنفط من منطقة الخليج بشكل كامل، وهو ما يقود إلى سيناريوهات كارثية:
- انهيار سلاسل التوريد: توقف فوري لمصانع كبرى في أوروبا وآسيا نتيجة النقص الحاد والمفاجئ في المواد الخام ومصادر الطاقة الحيوية.
- المسيرات والزوارق غير المأهولة: دخول سلاح المسيرات الجوية والبحرية ذات الكلفة المنخفضة والتأثير التدميري العالي كمعادلة جديدة فرضت واقعاً دفاعياً وهجومياً معقداً، عجزت أمامه كبرى القطع البحرية والمنظومات الدفاعية التقليدية.
- أزمة طاقة وقفزات قياسية: قفزات جنونية لأسعار النفط والغاز المسال تتجاوز مستوياتها القياسية السابقة، مما يضع النظام المالي العالمي بأكمله على شفا الانهيار.
* *إعادة تشكيل النظام الدولي:* هذا الضغط الخانق يسرع من أفول نظام القطب الواحد، ويدفع بجدية نحو ولادة تحالفات سياسية وعسكرية جديدة تتجاوز الخطوط الحمراء السابقة.
## التصنيع العسكري تحت الجبال: استراتيجية "أعماق الأرض"
في ظل هذا التصعيد وحشد الأساطيل الدولية في الممرات المائية، تبرز استراتيجيات الردع كلاعب محوري يعتمد على مبدأ "الاستمرارية والإنتاج تحت أعنف الضغوط". وتؤكد المعطيات العسكرية والعملياتية أن التصنيع العسكري لمحور الردع لم يعد يعتمد على القواعد والمنشآت الظاهرة فوق سطح الأرض والتي يسهل رصدها أو تدميرها.
وتشير التقارير الاستخباراتية والعسكرية إلى نقل الثقل التصنيعي والترسانات الصاروخية البالستية و"الفرط صوتية"، بالإضافة إلى خطوط إنتاج الطائرات المسيرة، إلى *مدن حصينة تحت الأرض* محفورة في أعماق السلاسل الجبلية المعقدة. هذه "الحصون التحت أرضية" توفر مزايا استراتيجية فارقة في حروب القرن الحادي والعشرين:
1. تحييد التفوق الجوي: يصعب استهداف هذه المنشآت أو النيل منها حتى باستخدام القنابل الحديثة الخارقة للتحصينات، نظراً لعمقها الهائل وطبيعة الصخور الجرانيتية الحامية لها.
2. السرية والتحرك الأعمى: تتيح هذه الشبكات والأنفاق الممتدة لعدة كيلومترات نقل المعدات، وتجهيز منصات الإطلاق الصاروخي، وإعادة تذخير المسيرات بعيداً عن عيون الأقمار الصناعية ومنظومات التجسس الرقمي والذكاء الاصطناعي.
3. الاستعداد والتعويض اللحظي: إن استمرار عمل هذه المصانع في الأعماق باكتفاء ذاتي تام يعني أن الترسانة الدفاعية والهجومية يتم تحديثها وتعويض مفقوداتها لحظياً، مما يضع القوات المسلحة في حالة تأهب قصوى دائمة، ويجعلها عصية على الاستنزاف التقليدي.
• الخاتمة
إن الاستعداد للمواجهة الكبرى في الممرات المائية والمضايق لم يعد مجرد خطاب سياسي أو استعراض عابر للقوة، بل هو واقع ملموس تترجمه المصانع التي تعمل في صمت الجبال، والزوارق والمسيرات التي تترصد في الأعماق وعلى السواحل. إن ضمان السيادة الوطنية وحماية المصالح الاستراتيجية في هذا العصر يتطلبان تلاحماً ذكياً بين الجغرافيا السياسية وقوة السلاح غير التقليدي المحصن، وهو ما يضع المنطقة والعالم على صفيح ساخن، يترقبه الجميع بحذر شديد.. وعيونهم شاخصة نحو المضايق.

حول الموقع

سام برس