سام برس
بِـأَبِي وَأُمِّـي مَـنْ حَبَاهُ اللهُ فَضْلاً ... وَعَاشَ بِنُورِهِ الْهَادِي مُعَظَّمَا
فَهَذِي السِّيرَةُ طَابَتْ فِي مَدَاهَا ... وَصَاغَتْ نَهْجَنَا الْأَسْمَى الْقَوِيـمَا
فَمَا كَانَتْ حَدِيثاً لَيْسَ يُجْدِي ... وَلَكِنْ دُسْتُوراً يَهْدِي الْأُمَمَا
بِهَا لِـمَـنْ رَامَ النَّجَاةَ مَنَارُ حَقٍّ ... يَقُودُ النَّاسَ غَيْثاً مُسْتَدِيمَا
فَيَا مَعْقِلَ الْإِيمَانِ حِصْنَ صَمْدٍ ... بِأَحْمَدَ نَجْتَازُ لَيْلاً عَتِيمَا
لا تنفصل سيرة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- في وجدان الأمة وعقول علمائها عن حركة الحياة اليومية وبناء الكيان الإنساني والمؤسسي؛ فإذا كانت الهجرة النبوية تمثل منطلق التمكين وبداية التأريخ للأمة، فإن السيرة النبوية بمجموعها هي المنهج التفصيلي والدليل العملي الذي رسمه الوحي الإلهي وصاغه التطبيق المحمدي لإنقاذ البشرية وإخراجها من ظلمات الجهل والتشرذم إلى أنوار العدل والوحدة والحرية.
إن حاجتنا اليوم كأمة إسلامية، وكمجتمع يمني عريق، إلى تدارس السيرة النبوية ليست حاجةً لاستدعاء وقائع تاريخية مرت عليها القرون، بل هي حاجة مصيرية لاستلهام حلول ومعالجات لواقعنا المعاصر المثخن بالجراح والآلام. إن السيرة النبوية في جوهرها هي "منهج عمل" لا يقف عند حدود الإعجاب القلبي أو الاحتفاء اللفظي، بل يتعداه إلى التأسيس الفعلي لقيم النزاهة، وإرساء معايير الكفاءة، ورعاية حقوق العباد، وإصلاح المؤسسات وبنائها على قواعد متينة من العدالة والمساواة.
لقد قدمت السيرة النبوية النموذج الأسمى في إدارة الأزمات وتحويل التحديات والخطوب العصيبة إلى فرص للنهوض والتمكين. ومن يتأمل وثيقة المدينة المنورة، يدرك كيف صاغ رسول الإنسانية أول دستور مدني وإنساني جامع، ركيزته المواطنة، وحماية الحقوق، وتوحيد الكلمة والموقف في مواجهة التهديدات الخارجية. وهي ذات القيم التي نحتاجها اليوم لتجاوز مرارة الانقسام والتمزق، وتوجيه الطاقات نحو البناء والتنمية والذود عن سيادة الأوطان وكرامتها.
إن تجديد الخطاب الديني والفكري في هذا العصر يفرض علينا إبراز الجوانب الحية في السيرة النبوية؛ فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يربِّ أتباعه على اعتزال الحياة، بل جعل إتقان العمل، وأداء الأمانات إلى أهلها، والانتصار للمستضعفين، وإصلاح ذات البين، في صدارة العبادات والقربات. وبناءً على هذا الميزان النبوي، يصبح التفاني في خدمة المجتمع وتطهير النفوس من المظالم والآثام وتكامل الجهود المؤسسية هو المحك الحقيقي لصدق الانتماء والاتباع لهذا النهج المحمدي الخالد.
وفي ظل النوازل المروعة التي تحيط بأمتنا من حولنا، من التنكيل والبغي الصهيوني في غزة الأبية ولبنان الشقيق، والاقتتال في بقاع أخرى، تبرز السيرة النبوية كأعظم مدرسة لتعميق قيم التراحم والنصرة، وإحياء روح الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إنها دعوة متجددة لكل غيور، ولكل بصير، أن يجعل من أنفاس حياته وأوقاته المحدودة حجةً له وعطاءً مستمراً ينفع به واقع أمته.
من يمن الإيمان والحكمة، الذي يلتف بنوه حول النهج المحمدي وأهل بيته الأطهار، نؤكد أن العودة الصادقة إلى هدي السيرة النبوية الشريفة هي بوابتنا نحو صياغة مستقبل مشرق، مستقبلٍ تسوده قيم العدالة والنزاهة، وتتحطم على صخرة صموده كل مؤامرات المتربصين وكيد الحاقدين، ليبقى هذا الوطن دائماً وأبداً منبع المدد وحصن الرسالة ومثلاً يحتذى في العزة والكرامة والاستقرار.
وفي الختام، نسأل الله أن يعيد هذه الذكرى العطرة وعالمنا الإسلامي، ويمننا الحبيب، يرفل بثياب الأمن والأمان، وظلال الوحدة الوطنية والسلام، وكل عام وأنتم بخير.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية اليمنية.


























