سام برس
يستقبل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها فاتحة شهور العام الهجري الجديد، "شهر الله المحرَّم"، وهو الشهر الذي خصه المولى سبحانه بالتعظيم والتشريف، وأضافه إلى نفسه إضافة إجلال وإعظام. إن هذا الشهر يمثل محطة عبادة متميزة في مسيرة المسلم، تتجلى فيها معاني الطاعة، ومظاهر الهوية الاستقلالية للأمة الإسلامية التي أراد لها نبيها -صلى الله عليه وآله وسلم- أن تكون شامة بين الأمم، متميزة في عقيدتها، وشعائرها، وسلوكها.

الأفضلية المطلقة لصيام شهر الله المحرم
لقد جعل الشارع الحكيم من صيام أيام هذا الشهر تجارة رابحة مع الله سبحانه وتعالى، بل إن الصيام فيه يأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد شهر رمضان المبارك، ومردّ ذلك إلى أن الصيام عبادة خفية تقوم على الصبر ومجاهدة النفس، وهي ركيزة أساسية في بناء وتأهيل الروح المؤمنة. وفي هذا الصدد يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم:

-.((أفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ شهرُ اللهِ المحرمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليلِ)).
إن إقبال المرشدين والموجهين والمرابطين على الصيام في هذا الشهر يسهم بشكل مباشر في صقل معنوياتهم، وتزكية نفوسهم، وربط قلوبهم بخالقهم، مما ينعكس إيجاباً على أدائهم لواجباتهم الدينية والوطنية بيقين ثابت وعزيمة لا تلين.

يوم عاشوراء.. دلالة النصر وسُنّة المخالفة لأهل الكتاب
في قلب هذا الشهر المبارك، يبرز "يوم عاشوراء" (العاشر من محرم) كمعلم تاريخي وإيماني بارز؛ فهو اليوم الذي نجّى الله فيه نبيّه موسى -عليه السلام- وقومه من بطش فرعون وجبروته، فصامه موسى شكراً لله. وعندما قدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المدينة ووجد اليهود يصومونه، قال: ((نحن أحق بموسى منكم)) فصامه وأمر بصيامه، وجعل صيامه مُكفراً لذنوب سنة كاملة مضت.

لكن الملمح الأبرز والأكثر عمقاً في التوجيه النبوي المتعلق بعاشوراء، هو ترسيخ الهوية المستقلة للمسلم ومخالفة أهل الكتاب؛ فحينما قيل له -صلى الله عليه وسلم-: "يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى"، وضع القاعدة الاستراتيجية للتميز الإيماني قائلاً:
. ((لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسعَ)). وفي رواية أخرى: ((صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، خالفوا اليهود)).
إن هذه المخالفة النبوية المشروعة تحمل في طياتها دلالات بالغة الأهمية للخطاب الديني والتوجيهي المعاصر:
الاستقلالية الفكرية والشعائرية: إن الأمة الإسلامية أمة متبوعة لا تابعة، وقائدة لا مقودة؛ والتميز في صيام التاسع مع العاشر (أو الحادي عشر) هو إعلان عملي عن رفض الذوبان في الآخر أو التبعية له.

حماية الجبهة الثقافية: إن التميز في الشعائر والعبادات يحمي الأمة من الاختراق الفكري، ويعزز في نفوس أبنائها الاعتزاز بخصوصيتهم الدينية، بعيداً عن الانهزام النفسي أمام الثقافات الوافدة.
أولوية الإرث الإيماني: صيامنا لعاشوراء وتاسوعاء يؤكد أننا -نحن المسلمين- الورثة الحقيقيون لمبادئ الأنبياء والرسل جميعاً، وأن صيامنا هو صيام طاعة وتميز، لا صيام تقليد ومحاكاة.
خاتمة وتوجيه
إن استثمار هذه الأيام المباركة في الصيام والذكر والدعوة إلى الله، يمثل انطلاقة مباركة لعامنا الجديد. ويتعين على كافة الإخوة في حقل التوجيه والإرشاد الديني والمعنوي تكثيف الجهود لإبراز هذه المعاني الفقهية والتربوية السامية، وحث المجتمع على إحياء هذه السنن النبوية بروح واعية، تدرك أبعاد العبادة ومقاصد التشريع في حفظ الهوية وتحصين الأمة.
نسأل الله تعالى أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال، وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يعيد هذه المناسبات المباركة على يمننا العزيز بالأمن والاستقرار والتمكين، إنه سميع مجيب الدعاء.

نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية اليمنية.

حول الموقع

سام برس