سام برس
أربعون عاماً ونيف والعدسة بين يديه لم تكن مجرد أداة تلتقط االضوء بل كانت عيناً لليمن توثق ملامح الأرض وتجاعيد الزمن وحكايات البشر.
عبد الله حويس هذا الاسم الذي يتردد بوقار في أروقة مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر لم يمر عابراً في تاريخ الصحافة اليمنية بل حفر اسمه بحروف من ضياء كعميد للمصورين اليمنيي. طيلة أربعة عقود من الزمن كان حويس يرابط في خنادق الكلمة والصورة يركض خلف الحدث يطارد الحقيقة ويحمي الذاكرة الوطنية من النسيان متسلحاً بشرفه المهني وإخلاصه الذي لم يتبدل وأمانته التي لم تهتز يوماً أمام مغريات الحياة أو عواصف التحولات حتى رحل عن دنيانا في عام 2025 تاركاً خلفه إرثاً بصرياً خالداً وتاريخاً يعصى على النسيان.

لكن المشهد الختامي لهذه الرحلة الباذخة بالعطاء جاء صادماً ويحمل في طياته غصة ثقيلة تؤرق الضمير الإنساني والمهني معاً.

فكيف يعقل أن تختزل أربعة عقود من العطاء والخدمة الوطنية المخلصة في راتب تقاعدي لا يتجاوز ثمانية عشر ألف ريال ليصفو لورثته وعائلته منه عملياً بعد الاستقطاعات تسعة آلاف ومائتا ريال؟ إن هذا الرقم الهزيل لا يمثل مجرد إجحاف مالي في ظل الظروف المعيشية والاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد بل إنه يمثل شرخاً في جدار التكريم والوفاء وصورة مؤلمة لخذلان المبدعين والرواد الذين أفنوا زهرة شبابهم في خدمة وطنهم ورفع رايته ليرحلوا وهم يحملون في قلوبهم عتباً مراً.

إن هذه المفارقة المؤلمة التي عاشها الراحل في أواخر أيامه تفتح جرحاً غائراً يتجاوز شخص العميد عبد الله حويس ليشمل جيلاً كاملاً من الرواد الذين بذلوا أرواحهم وصحتهم في سبيل الواجب ثم وجدوا أنفسهم وعائلاتهم في مواجهة متطلبات الحياة بفتات لا يسمن ولا يغني من جوع. أليس من الظلم الفادح أن تكافأ العين التي سهرت لتوثيق أمجاد الوطن وتاريخه بهذه الفاقة؟ وكيف يمكن لراتب لا يكاد يغطي قيمة كفاف يوم واحد أن يكون جزاء سنمار لقامة صحفية وفوتوغرافية قدمت للبلد أرشيفاً حياً لا يقدر بثمن؟ إن الاستمرار في تجاهل هذه الوضعية المعيشية الصعبة يبعث برسالة سلبية للأجيال الشابة مفادها أن الإخلاص والنزاهة والعمل الدؤوب قد تنتهي بأصحابها وذويهم على رصيف الحاجة والنسيان.

من هنا ورغم رحيل الجسد وبقاء الأثر ترتفع الأصوات بلسان الإنصاف والعدالة لتطالب الجهات المعنية بضرورة الالتفات العاجل والفوري لتسوية الوضع المعيشي والتقاعدي لعائلة عميد المصورين اليمنيين الراحل عبد الله حويس وزملائه من المتقاعدين الذين أفنوا حياتهم في خدمة مؤسسات الدولة إن تسوية وضع هؤلاء الرواد وتوفير معاش تقاعدي كريم يحفظ لأسرهم هيبتهم ومكانتهم ليس منة ولا فضلاً من أحد بل هو واجب وطني وأخلاقي وقانوني مستحق.

لقد حان الوقت لإعادة الاعتبار لكل يد شريفة أسهمت في بناء الوعي والهوية اليمنية وأن يترجم التقدير الأدبي والكلمات الرنانة إلى قرارات ملموسة تضمن لعائلة هذا المبدع الراحل حياة كريمة تليق بحجم التضحيات الكبيرة التي قدمها طوال مسيرته الحافلة بالعطاء والتميز.

حول الموقع

سام برس