سام برس
بسم الله الرحمن الرحيم
مع غياب شفق ليلة خلت، وحين خَلَفْتُ إمام الجامع المنتقل إلى رحمة الله، وحين وضعت الصلاة أوزارها وتلاشت أصوات المصلين، جلست في محراب المسجد مستغرقاً في لحظة تأمل شجية، أرقب كيف يطوي الليل صفحة النهار بسكون مهيب. في تلك اللحظات الخاشعة التي يتجلى فيها جلال الزمان، وفي ذلك الفراغ المؤثر الذي تركه الراحل خلفه، شعرت برعدة في أعماق نفسي؛ فالمحراب خاوٍ، وصاحبه الذي كان بالأمس يملأ الدنيا تسبيحاً وبصيرة، صار اليوم رهين قبره.

ومع تسارع وتيرة الأيام التي تطوي أعمارنا طياً كالسحاب، قفز إلى ذهني سؤال جوهري يفيض لوعة، يبدو في ظاهره بديهياً، لكنه يحمل في طياته عمق الوجود الإنساني وفلسفة الحياة: من هو بحق أقصر الناس عمراً؟ ومن هو أطولهم؟ وكيف تغدرنا هذه الأيام وتلهينا عن رحلة الإياب؟
عجباً لهذه الدنيا الدنية! كيف تسلبنا أعمارنا ونحن نبتسم؟ وكيف يغدر بنا قطار العمر وهو ينهب السنين نهباً ونحن في غفلتنا ساهون؟ إنها دار مجاز لا دار قرار، حقيقتها سراب، ومتاعها حطام. كم ألهتنا بزخرفها الكاذب عن حقيقة الرحيل! وكم شغلتنا بتفاهاتها الفانية عن التجارة مع الله، وعن التفكير ببوصلة المستقر الأبدي! نركض خلف سرابها، ونبني القصور فوق رمالها، وننسى أن الموت يترصدنا عند كل منعطف، يختطف الأحبة واحداً تلو الآخر، فنبكي عليهم ساعة، ثم نعود للركض في سواقي الغفلة ذاتها وكأننا مخلدون.

إن الجواب الذي قد يصدم المقاييس المادية الجافة، هو أن أقصر الناس عُمراً ليس ذاك الذي اختطفه الموت في ريعان شبابه ومات مُبكراً؛ فالأجل محتوم والمنايا مقدرة، بل هو ذاك الذي عاش لنفسه وحدها، وانغلق في شرنقة ذاته الأنانية، فلم يتجاوز نفعُه عتبة بيته. وفي المقابل، فإن أطولهم عُمراً ليس من نُسِئ له في أثره فتجاوز التسعين واستأثر بالبقاء البيولوجي، بل هو ذلك الموفق الذي غادر الدنيا الفانية بجسده، وبقي أثره الطيب وإرثه النافع حياً يمشي بين الناس بعده، ينهل منه الأنام وتقتفي أثره الأجيال.

إننا في هذا العصر المادي المزدحم بالصراعات والملهيات، نواجه معضلة إنسانية ونفسية حقيقية؛ فحين يحصر الإنسان وجوده في حدود ذاته الضيقة، ويستسلم لغفلة الأيام، تتحول الحياة الفسيحة في عينه إلى غرفة ضيقة الجدران، معتمة الأفق، كئيبة الملامح. تصبح فلسفته في الحياة قائمة على السير في فلك الأنانية المطلقة، تبدأ عند رغباته العاجلة وتنتهي عند حاجاته الشخصية المحضة.

إنها "أنانية الوجود" وغفلة القلوب التي تُصيب البصيرة بالعمى؛ فتراه يفرح ويتهلل إذا ربح لنفسه مغنماً دنيوياً زائلاً، ويحزن ويضيق إذا خسر لنفسه حظاً أو جاهاً، ويقيس الدنيا بأسرها بمقياس واحد لا ثانٍ له: "مقدار ما تضيفه هذه الحياة إلى رصيده الشخصي من مال، أو لذة، أو مكانة، أو سلطة". ومع هذا المنظور القاصر، تتقلص الحياة الكبيرة المترامية الأطراف، وتضيق آفاقها حتى تصبح في النهاية بحجم جسد واحد، وعمر واحد.. وقبر واحد مظلم بارد، يُنسى ساكنه ويُمحى ذكره بمجرد مواراته الثرى وتفرق المشيعين، لتبدأ روعة الحساب وحسرة الندم على أيامٍ ضاعت في غير طاعة الله وعمارة الأرض.

 يا حسرة على أعمار تنقضي في اللهاث وراء السراب، ويا خيبة نفسٍ قدمت إلى الدنيا وخرجت منها صفر اليدين؛ لا أثراً تركت، ولا زاداً للآخرة قدمت!
إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في كمية الأكسجين التي استهلكها، ولا في عدد الأيام التي قضاها فوق رقعة الأرض، بل تكمن في كونه رقماً صعباً في معادلة النفع العام وعمارة الحياة بالخير. فالإنسان كائن اجتماعي برسالة، والعيش في سبيل الذات والغفلة عن الآخرة هو موت مبكر وإن نبض الفؤاد، أما العيش في سبيل إسعاد الآخرين، وخدمة الأمة، وبناء المجتمعات ابتغاء وجه الله، فهو الخلود المعنوي والذخر الحقيقي ليوم العرض الأكبر.

إنها دعوة ملحة وموجعة للاتعاظ، ومراجعة الذات، وإعادة ضبط بوصلة الحياة قبل فوات الأوان؛ فالسعيد في هذه المسيرة الأرضية هو من استيقظ من نومة الغفلة، واتسع صدره لخدمة عباد الله، وجعل من علمه، أو ماله، أو جاهه، أو فكره منارة تضيء دروب الحيارى وتنتشل الضعفاء، ميمماً وجهه شطر المستقر الأبدي. هذا الصنف من البشر هو من يكتب الله له "عمراً ثانياً" مديداً يمتد لقرون وأجيال متعاقبة، فتجد المرء منهم تحت التراب رفاتاً، وصنيعه فوق الأرض يروي للأجيال قصة مجد لا يبلى، ودعاءً صالحاً يصعد إلى السماء يبل تُراب قبره بالرحمات والمغفرة.
إن من يزرع الأثر لا يموت، ومن يعش لغيره ولآخرته يتسع مداه ويسمو سمو السماء. فلنستفق من هذه السكرة، ولنحرص جميعاً على أن نترك خلفنا سيرة صالحة، وعملاً نافعاً، وذكراً حسناً، وكلمة طيبة تشرح الصدور، وتكون شافعة لنا يوم نُوسد في لحودنا فرادى، لا يرافقنا في وحشة القبر إلا العمل الصالح؛ حتى إذا رحلت الأجساد المتهالكة وطواها التراب، بقيت الأرواح حية نابضة، ذكراً ودعاءً، في قلوب الأنام وعقولهم.

نسأل الله العلي القدير أن يبارك في الأعمار والأعمال، وأن يوقظ قلوبنا من غفلتها، وأن يرحم غربتنا في هذه الدنيا الغادرة، وأن يجعلنا ممن طال عمره وحسُن عمله، وتزود لرحلة الإياب، وممن يتركون وراءهم أثراً طيباً مباركاً يرضى عنه رب السموات والأرض.

حول الموقع

سام برس